رانيا خليفة تكتب: المسؤولية.. بذور تُغرس لا ميراث يُوَرث
المسؤولية لا تُورّث كالمال أو تنتقل كالإرث، بل تُزرع في نفوس الأبناء غرساً، وتُسقى بالتربية الواعية حتى تنمو وتثمر. فتربية الأولاد في الإسلام ليست مجرد رعاية جسدية أو تلقين للمعارف الدنيوية، بل هي أمانة عظيمة سَيُسأل عنها الوالدان يوم القيامة. وقد جعل رسول الله ﷺ هذه الحقيقة واضحة للجميع بقوله: "كُلكم راعٍ وكُلكم مسؤول عن رعيته"، فالمسؤولية في التربية تصبح بذلك فريضة وواجباً دينياً، وليست خياراً أو أمراً ثانوياً.
وهذه الصفة لا تنبُت فجأة في الشخص عندما يبلغ، بل تُغرس فيه منذ الطفولة، وتنمو مع السنين من خلال التربية المتوازنة، والقدوة الحسنة، والجمع بين الرحمة والحكمة. فالبيت هو الميدان الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى المسؤولية، عندما نعلمه الاعتناء بأغراضه، والانتظام بوقته، واحترام من حوله. وهكذا نربيه على مفهوم الأمانة الذي أمرنا الله به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فالطفل الذي يتعود على أداء واجباته الصغيرة، سيجد أداء الواجبات الكبيرة عليه سهلاً ومألوفاً في مستقبله.
والتربية في جوهرها فعل يُرى قبل أن تكون كلاماً يُسمع. فلا يمكن أن نتوقع من طفل أن يكون صادقاً إذا كان يسمع الكذب، أو أن يكون منظّماً إذا كان يرى الفوضى. لقد كان النبي ﷺ القدوة العملية لأصحابه وأمته، يعلّمهم بسلوكه قبل حديثه. وعندما يرى الطفل والديه يلتزمان بوعودهما، ويحرصان على أداء حقوق الآخرين، ويعترفان بالخطأ ويصلحانه، فإنه بذلك يتعلم أن المسؤولية خُلقٌ وسجية، وليست عبئاً ثقيلاً.
والإسلام دين يراعي الفطرة ويسير بالتدريج. فلا نحمّل الطفل ما لا طاقة له به فنكسره، ولا نهمله فلا نعلّمه تحمل تبعات أفعاله. لكل مرحلة عمرية ما يناسبها من المسؤوليات، وكل التزام بسيط نربيه عليه هو تدريب عملي على حمل الأمانة الأكبر في المستقبل. وقد نصحنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: "لا تُقسِروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"، ليذكّرنا بضرورة تربيتهم لعصرهم بما يناسبهم.
كما أن الوقوع في الخطأ ليس نهاية المطاف في مسيرة التربية، بل هو من أهم فرص التعليم. عندما يخطئ الطفل ونقف بجانبه نصحح له برفق، ونرشده إلى كيفية إصلاح ما أفسد، فإننا نغرس فيه معنى المحاسبة الذاتية وروح التوبة، وهما من أعظم دروس المسؤولية في الإسلام. قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ختاماً، تربية الأبناء أمانة غالية ومسؤولية ممتدة، وليست مرحلة عابرة. كل جهد فيها هو استثمار في بناء إنسان، وكل تقصير قد تكون عواقبه بعيدة المدى. فالذي يربّي أولاده اليوم على تحمل المسؤولية والإخلاص فيها، لا يُؤدّي واجبه تجاه أسرته فحسب، بل يساهم في بناء مجتمعٍ قويٍّ، ويؤدي الأمانة التي سُيسأل عنها بين يدي الله تعالى.
