عندما يعزف الإنترنت وحده في عقولنا
بقلم: رانيا خليفة
لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للترفيه أو أداة للمعرفة. لقد تحول، لدى كثيرين، إلى عالم بديل يبتلع الوقت والمشاعر والتركيز، حتى أصبح ما يعرف بإدمان الإنترنت أحد أخطر التحديات النفسية والسلوكية في عصرنا الحالي.
فما هو هذا الإدمان بالضبط؟
هو ذلك الاستخدام القهري والمفرط للشبكة، بحيث يتعدى تأثيره مجرد الوقت ليضر بالحياة الاجتماعية والدراسية والمهنية بل والنفسية للفرد. المدمن هنا لا يدخل الشبكة لحاجة فعلية، بل هربًا من واقع ما، أو بدافع التعود، أو بحثًا عن إشباع سريع وزائل.
لكن كيف يحدث ذلك؟ كيف يلعب الإنترنت بتلك الأوتار الدقيقة لعقولنا؟
يشبه المتخصصون التأثير بالموسيقي الذي يعزف دون توقف على آلة حساسة، حتى تختل أنغامها وتفقد رونقها. يظهر هذا الاختلال في صور متعددة، أولها تشتت الانتباه وضعف التركيز. فالانتقال السريع بين التطبيقات والمقاطع القصيرة يضعف قدرة العقل على الغوص في التركيز العميق. كما يتبع ذلك اضطراب في الذاكرة، حيث يعتمد المرء على البحث الفوري فتتراجع كفاءة الذاكرة طويلة المدى.
ولا يمكن إغفال قوة الإدمان الدوباميني. فالإشعارات المستمرة والإعجابات الفورية تطلق في الدماغ دفقات من هرمون "الدوبامين"، مما يخلق حلقة مفرغة من التوقع والمكافأة، تشبه في أساسها العصبي أنواعًا أخرى من الإدمان السلوكي.
ووسط هذه الضوضاء الرقمية، تزداد حدة القلق والتوتر. فالمقارنات المستمرة مع حيوات الآخرين المصورة، وطوفان الأخبار السلبية، يرفعان من معدلات القلق والاكتئاب. الأكثر خطورة هو أن العلاقات الافتراضية تبدأ في أخذ مكان الواقعية، فيفقد الفرد تدريجيًا مهارات التواصل الحقيقي، ويعيش في عزلة اجتماعية حتى وهو بين الحشود.
هناك فئات أكثر عرضة من غيرها للسقوط في هذا الشباك، مثل الأطفال والمراهقين الذين لم تكتمل بعد آليات التحكم لديهم، والعاملين عبر الإنترنت لساعات طويلة بلا حدود واضحة، وكذلك من يعانون أصلاً من الوحدة أو الضغوط النفسية ويجدون في الفضاء الرقمي ملاذًا، بالإضافة إلى مستخدمي الألعاب الإلكترونية بكثافة شديدة.
فكيف تعرف أنك أو شخصًا قريبًا منك على حافة الخطر؟ هناك علامات تنذر بالمشكلة، مثل فقدان الإحساس بالوقت بشكل متكرر أثناء التصفح، وإهمال المسؤوليات الدراسية أو العملية، واضطرابات واضحة في نمط النوم، والشعور بالتوتر أو الغضب عند انقطاع الاتصال بالإنترنت، وصولاً إلى تفضيل العالم الافتراضي بوضوح على التفاعلات الواقعية.
السؤال المهم: هل العلاج ممكن؟
الإجابة نعم، العلاج ممكن وفعال، لكن رحلته تبدأ بالوعي وتستمر بالالتزام. يمكن أن يمر عبر عدة محطات، أولها العلاج السلوكي المعرفي الذي يساعد في تعديل أنماط التفكير والسلوكيات المرتبطة بالاستخدام القهري. يليه تنظيم الوقت الرقمي بوضع حدود ثابتة لساعات الاستخدام مع فواصل إلزامية للراحة.
كما يمكن اللجوء إلى "الديتوكس الرقمي"، وهو انقطاع مؤقت ومخطط له، لإعادة ضبط الدماغ وكسر حلقة الاعتماد. ولا تكتمل الخطة دون إيجاد بدائل واقعية تشبع الحاجات النفسية، مثل ممارسة الرياضة، أو القراءة، أو الانخراط في أنشطة اجتماعية وهوايات يدوية خلاقة. ولا يغيب هنا دور الأسرة كشريك أساسي، خاصة مع الأطفال والمراهقين، عبر المراقبة الواعية والحوار البناء، وليس عبر المنع القهري الذي قد يزيد الأمر سوءًا.
المعركة في النهاية ليست مع جهاز أو تطبيق، بل مع نمط حياة كامل. لذا، يقع على عاتق المجتمع والإعلام دور كبير. فالإعلام مطالب بتوعية الأسر بمخاطر الاستخدام غير المنضبط، والمدارس مطالبة بدمج "الثقافة الرقمية" في مناهجها، لتعليم الأجيال كيفية التعامل مع هذه الأدوية القوية بحكمة.
في الختام، يبقى الإنترنت أداة عظيمة إن أحسنا قيادتها، وخطرًا صامتًا إن تركناها تقودنا وتعبث بأوتار عقولنا. فالعلاج الحقيقي لا يبدأ بإغلاق النوافذ الرقمية، بل بفتح نافذة الوعي أولاً.
