ساطور الغضب
لم يعد السؤال اليوم لماذا تتكرر جرائم الطعن والقتل بين مطلقين، بل كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها قانون يفترض أنه ينظم الأسرة أحد أبرز بؤر التوتر الاجتماعي؟
عندما تتحول الخلافات حول الحضانة إلى ساطور في يد أم، أو سكين في يد أب، فالأمر لم يعد مجرد انحراف فردي، فنحن أمام أزمة تشريعية واجتماعية متكاملة والأخطر أن هذه الأزمة لم تعد استثناء، بل باتت نمطًا يتكرر بصورة مقلقة.
قانون الأحوال الشخصية كان يفترض أن يكون مظلة أمان بعد انهيار العلاقة الزوجية، لكنه في التطبيق العملي تحول في كثير من الحالات إلى ساحة صراع ممتد، لا ينتهي بحكم قضائي بل يبدأ به.. نزاع على الحضانة يجر نزاعًا على الرؤية، ثم النفقة، ثم الولاية التعليمية، ثم السفر، ثم التمكين من مسكن.. دوامة لا تتوقف، وكل دعوى تولد أخرى، وكل حكم يفتح بابًا لخصومة جديدة.
هنا يبرز السؤال الذي يتجنبه كثيرون: هل تم تقييم الأثر الاجتماعي الحقيقي لهذه المنظومة التشريعية؟ أم أن النصوص صيغت بمعزل عن الواقع النفسي والاجتماعي للأطراف المتنازعة؟
حين يشعر أحد الطرفين أنه مهمش بالكامل في معادلة الأبوة أو الأمومة، وحين تتحول العلاقة مع الأبناء إلى مواعيد مقيدة بساعات محدودة، وحين تصبح الإجراءات بطيئة مرهقة ممتدة لسنوات، فإن القانون لا يهدئ النزاع بل يعمقه والاحتقان حين يتراكم بلا قنوات تفريغ قانونية عادلة، ينفجر.
لا أحد يدعي أن النصوص وضعت بنية تخريبية متعمدة، لكن تجاهل النتائج الكارثية المتكررة يطرح علامات استفهام مشروعة.. هل يكفي أن نكرر أن الهدف هو مصلحة الطفل، بينما الواقع يكشف أن الطفل هو أول الضحايا؟ هل يعقل أن تبقى المنظومة كما هي رغم كل التحذيرات من خبراء قانون واجتماع ونفس؟
إن تفكيك الأسرة لا يبدأ بالطلاق، بل يبدأ حين يتحول الطلاق إلى معركة صفرية.. القانون بصيغته الحالية في كثير من جوانبه يدير النزاع بطريقة الخصومة لا بطريقة الإدارة المشتركة للمسؤولية الأبوية.. لا توجد إلزامية حقيقية للوساطة قبل التقاضي.. لا توجد آليات فعالة للتهدئة النفسية.. لا توجد سرعة حاسمة في حسم النزاعات المتعلقة بالأطفال.. الزمن يقتل العلاقات، والتأخير يشحن الصدور.
الأخطر أن بعض النصوص تنتج شعورًا دائمًا بعدم العدالة لدى أحد الطرفين.. قد يكون الشعور مبالغًا فيه أحيانًا، لكنه شعور حقيقي، وعندما تتجاهل التشريعات الإحساس الجمعي بالاختلال، فإنها تزرع بذور الغضب.. والغضب إذا طال أمده يتحول إلى عدوان.
لسنا أمام حوادث فردية معزولة.. نحن أمام نمط اجتماعي يتصاعد.. أب يطعن طليقته بسبب قرار يتعلق بزواج ابنته.. أم تعتدي على أسرة طليقها بسبب حضانة طفل.. مشاحنات تتحول إلى دماء.. هذا ليس خللًا سلوكيًا فرديًا فقط، بل مؤشر على أن منظومة إدارة النزاع الأسري فشلت في احتواء الصراع قبل انفجاره.
حين يخرج أحد الأطراف من المحكمة وهو يشعر أنه خسر أبناءه أو خسر حقه في التأثير في حياتهم، فإن الحكم القضائي يتحول في وعيه إلى عقوبة شخصية، لا إلى تنظيم قانوني.. هنا مكمن الخطر.. القانون يجب أن يخلق شعورًا بالعدالة المتوازنة حتى عند الخاسر، وإلا تحول إلى شرارة دائمة.
من حق المجتمع أن يسأل: لماذا لم يتم حتى الآن إصدار قانون موحد متكامل يعالج الثغرات المتكررة؟ لماذا تتأخر الإصلاحات رغم وضوح الأزمة؟ لماذا تظل المعالجة جزئية بينما النزيف مستمر؟
الهجوم الحقيقي ليس باتهام النوايا، بل بكشف النتائج.. والنتائج تقول إن هناك أسرًا تتفكك بصورة أعنف مما ينبغي.. النتائج تقول إن أطفالًا يعيشون صراعات نفسية حادة.. النتائج تقول إن المحاكم مثقلة بملفات نزاعات أسرية لا تنتهي.. النتائج تقول إن العنف المرتبط بالخلافات الأسرية في تصاعد.
إذا كان القانون قد تم وضعه لحماية المجتمع، فمن حق المجتمع أن يطالب بمراجعته حين تتراكم آثاره السلبية.. ليس من المقبول أن نكتفي بإدانة الجاني بعد وقوع الجريمة، بينما نتجاهل البيئة القانونية والإجرائية التي فشلت في منع الانفجار.
الإصلاح لا يعني الانحياز لطرف على حساب آخر.. بل يعني إعادة صياغة فلسفة القانون من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.. من منطق الحضانة كحق متنازع عليه إلى منطق المسؤولية الأبوية المشتركة.. من التقاضي المطول إلى الوساطة الإلزامية.. من تنفيذ الرؤية في أجواء متوترة إلى مراكز متخصصة آمنة.
إذا استمرت المنظومة الحالية دون مراجعة جذرية، فإن النزاعات ستتعمق، وسيبقى الأطفال في مرمى صراعات لا ذنب لهم فيها وإن لم يتحرك المشرع سريعًا، فإن الاتهام لن يكون تواطؤًا، بل تقصيرًا في قراءة الواقع.
القانون ليس نصًا مقدسًا.. هو أداة قابلة للتطوير.. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الإصرار على تجاهل آثاره السلبية الواضحة، فالمجتمع اليوم لا يحتاج خطابات مطمئنة، بل يحتاج شجاعة تشريعية تعترف بأن هناك خللًا، وأن الإصلاح لم يعد ترفًا.
السؤال لم يعد هل نعدل القانون، بل متى وقبل أن تتحول كل خلافات الحضانة إلى نشرات حوادث جديدة، يجب أن ندرك أن العدالة الأسرية ليست مسألة قانونية فقط، بل مسألة أمن اجتماعي واستقرار وطني.
