ابني الذي لا يعرفني
بقلم: حسن سليم
في كثير من قصص الانفصال التي تمتلئ بها ملفات محاكم الأسرة، تتكرر مأساة صامتة لا يتوقف عندها الكثيرون طويلاً. مأساة أب يظن أن أداءه لواجب النفقة هو الخيط الوحيد المتبقي الذي يربطه بابنه، فيتشبث بهذا الخيط بكل ما يملك من أمل، معتقداً أن الأيام ستنصفه وأن الابن حين يكبر سيدرك حجم التضحية التي بذلها والده من أجله.. لكن الواقع في كثير من الأحيان يكون أكثر قسوة مما يتخيل هذا الأب.
هناك آباء يعيشون سنوات طويلة بعيداً عن أبنائهم، محرومين من تفاصيل الحياة اليومية التي تصنع الأبوة الحقيقية.. لا يسمعون الضحكة الأولى في الصباح، ولا يشاركون أبناءهم لحظات الفرح الصغيرة، ولا يكونون شهوداً على لحظات الحزن أو الضعف التي يحتاج فيها الطفل إلى كتف أبيه ومع ذلك يظلون ملتزمين بالنفقة، يرسلونها كل شهر بانتظام، أحياناً على حساب احتياجاتهم الشخصية، وأحياناً بعد معارك طويلة مع ضغوط الحياة والعمل.
لكن هل النفقة وحدها قادرة على حماية علاقة الأب بابنه إذا نشأ الطفل في بيئة تزرع في قلبه الكراهية وتشوه صورة والده يوماً بعد يوم.
الأبوة ليست التزاماً مالياً يثبت أمام المحكمة ثم ينتهي الأمر.. الأبوة علاقة إنسانية عميقة تتكون من الحضور والاحتواء والقدوة والمشاركة في تفاصيل الحياة اليومية.. وحين يغيب الأب عن حياة ابنه لسنوات، ليس بسبب تقصيره بل بسبب ظروف الانفصال والصراع، تصبح النفقة مجرد واجب قانوني لا يستطيع وحده أن يحفظ المشاعر أو يبني جسور الثقة.
الطفل الذي ينشأ في بيئة تحيطه بالروايات السلبية عن والده، يسمع فيها يومياً كلمات التشويه والاتهام، لا يملك القدرة العقلية ولا النفسية على التمييز بين الحقيقة والتأثير المستمر الذي يتعرض له، فالطفل بطبيعته يميل إلى تصديق الصوت الأقرب إليه والأكثر حضوراً في حياته اليومية ومع مرور السنوات تتحول هذه الكلمات إلى قناعات راسخة في عقله، حتى وإن كانت بعيدة عن الحقيقة.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، فالأب الذي يواصل دفع النفقة معتقداً أنه يؤدي واجبه وأن الأيام ستكشف الحقيقة لابنه، قد يفاجأ بعد سنوات بأن العلاقة التي كان يظن أنها محفوظة في قلب الطفل قد تآكلت تماماً وقد يجد نفسه غريباً في نظر ابنه، أو شخصاً يحمل عنه صورة مشوهة لا تشبه الواقع الذي عاشه هذا الأب.
النفقة في جوهرها حق أصيل للطفل وليست منحة من الأب، وهي واجب لا جدال فيه، لكن تحويل النفقة إلى بديل عن العلاقة الإنسانية بين الأب وابنه هو ظلم للطرفين معاً. ظلم للأب الذي يتم اختزال دوره في كونه ممولاً فقط، وظلم للطفل الذي يتم حرمانه من نصف عالمه العاطفي والإنساني.
الطفل يحتاج إلى والده كما يحتاج إلى والدته.. يحتاج إلى نموذج الرجولة في حياته، إلى من يعلمه الصبر والمسؤولية والاعتماد على النفس.. يحتاج إلى حضن يشعر فيه بالأمان حين تضيق به الدنيا، وإلى كلمة تشجيع تدفعه إلى الأمام عندما يتعثر في أولى خطواته في الحياة، وعندما يتربى الطفل على الكراهية تجاه أحد والديه، فإنه لا يخسر هذا الوالد فقط، بل يخسر جزءاً من توازنه النفسي والإنساني.
والأخطر من ذلك أن الطفل الذي يتعلم منذ صغره أن الكراهية وسيلة للانتصار في صراعات الكبار، قد يحمل هذه الفكرة معه إلى بقية علاقاته في الحياة.. قد يصبح عاجزاً عن بناء علاقات صحية تقوم على الاحترام والتفاهم، لأنه تربى على نموذج مختلف تماماً.
في المقابل يعيش الأب معاناة صامتة لا يتحدث عنها كثيرون.. أب يعمل ليل نهار ليوفر النفقة، وربما يتحمل ديوناً وضغوطاً نفسية واقتصادية كبيرة، لكنه في النهاية يجد نفسه خارج حياة ابنه.. يسمع عن إنجازاته من بعيد، أو يرى صوره على وسائل التواصل الاجتماعي كأنه يتابع حياة شخص لا يعرفه جيداً.
هذا الشعور بالعجز هو أحد أكثر المشاعر قسوة على أي إنسان، أن تعرف أنك بذلت ما تستطيع، وأنك لم تقصر في مسؤولياتك، لكنك رغم ذلك تقف عاجزاً أمام جدار من الكراهية التي لم تكن يوماً طرفاً في صناعتها.
المشكلة هنا ليست في النفقة، بل في تحويلها إلى الحد الوحيد للعلاقة بين الأب وابنه، النفقة يجب أن تكون جزءاً من منظومة أكبر تحافظ على حق الطفل في علاقة صحية ومتوازنة مع كلا والديه، بعيداً عن صراعات الكبار ورغبتهم أحياناً في الانتقام أو إثبات الانتصار.
المجتمع كله يدفع ثمن هذه المعادلة المختلة، وحين يكبر الأطفال وهم يحملون جروحاً نفسية ناتجة عن صراعات أسرية لم يكونوا طرفاً فيها، فإن هذه الجروح تتحول لاحقاً إلى مشكلات اجتماعية أوسع، لأن الإنسان الذي لم يتعلم معنى الرحمة والتسامح داخل أسرته سيكون من الصعب عليه أن يمارسها في المجتمع.
الأسرة ليست ساحة حرب، والأبناء ليسوا أدوات في معارك الكبار.. فالطفل الذي يتم استخدامه كوسيلة للضغط أو الانتقام هو في الحقيقة ضحية مزدوجة.. ضحية للصراع، وضحية للتشويه الذي تم زرعه في عقله وقلبه.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي المجتمعي بهذه القضية.. ليس المطلوب أن ينتصر طرف على الآخر بعد الانفصال، بل أن ينتصر الطفل لحقه في حياة متوازنة لا يحرم فيها من أحد والديه، فالطفل لا يفهم معادلات الصراع ولا حسابات الانتقام، كل ما يحتاجه ببساطة هو أن يشعر بأن كلا والديه يحبه ويحرص على وجوده في حياته.
النفقة واجب، لكنها ليست بديلاً عن الأبوة والابن الذي يتربى على الكراهية قد يظن أنه ينتصر لأحد والديه، لكنه في الحقيقة يخسر فرصة أن يعيش علاقة طبيعية وصحية مع والده ومع مرور الوقت قد يكتشف أن الحقيقة كانت أكثر تعقيداً مما قيل له في طفولته، لكن بعد أن تكون سنوات العمر قد مضت بما فيها من مسافات وجراح.
لهذا يجب أن نتذكر دائماً أن بناء الإنسان يبدأ من الأسرة، وأن الكلمة التي تقال أمام الطفل قد تبني جسراً أو تهدم علاقة قد لا يمكن إصلاحها لاحقاً، فالنفقة قد توفر الاحتياجات المادية، لكنها لا تستطيع أن تزرع الحب إذا كانت الكلمات اليومية تزرع الكراهية في القلب.
والأب الذي يظل متمسكاً بحقه في ابنه رغم كل الظروف لا يفعل ذلك بدافع العناد أو الصراع، بل لأنه يدرك أن الأبوة ليست علاقة قانونية تنتهي بورقة في المحكمة، بل رابطة إنسانية عميقة لا يمكن أن تختزل في نفقة أو موعد رؤية.
إن حماية الأطفال من الكراهية ليست مسؤولية قانون فقط، بل مسؤولية ضمير إنساني قبل كل شيء، لأن الطفل الذي يتربى على العدل والمحبة سيكبر إنساناً قادراً على بناء مجتمع أكثر تماسكاً ورحمة، أما الطفل الذي يتغذى بالكراهية فسيظل يحمل آثارها في قلبه طويلاً، حتى وإن حاول إخفاءها خلف ابتسامة عابرة.
