recent
عـــــــاجــــل

رمضان بين التحلي والتخلي

 

رمضان بين التحلي والتخلي

رمضان بين التحلي والتخلي



د. سعيد محمد المنزلاوي

ينماز شهر رمضان عن سائر شهور العام بخصائص، يكاد ينفرد بها، وتدور بين التحلي والتخلي.

فرمضان بمثابة النهر الذي نغتسل فيه من أدران الذنوب، وشوائب المعصية، وانفلات النفس والشعور والهوى. ونعبر من خلاله إلى التوبة والإنابة والاستقامة. وهذا هو طريق الهدى، والذي من أجله شرع الله تعالى لعبادة فريضة صيام رمضان، فقال عز وجل: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، فتقوى الله هي الثمرة المرجوة من الصيام، وهذه لا تتحقق إلا إذا كان هناك تغيير جذري وحقيقي، تنتقل فيه النفس البشرية من حالة الضعف والاستخذاء والتبعية والشرود عن ساحة الطاعة، إلى العود الحميد ولكن بنسخة أكثر نقاء وأزهى صورة، وأصفى خلقًا وسمتًا.

ويعد هذا التغيير من أجَلِّ نفحات الشهر الكريم، ويتمثل في ثنائية التحلي والتخلي، والتي نسير فيها بأرواحنا ونفوسنا وأفئدتنا وحواسنا مجتمعة.

ففي حين يتخلى الصائم عن آفات اللسان من الكذب والغيبة والنميمة والسباب، وغيرها. نراه يتحلى بالذكر والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن الكريم.

لا شك أنك حاولت أكثر من مرة – خلال أشهر العام ـ أن تتغير، وتستبدل بالخلال السيئة أخرى حسنة، ولكنك كلما حاولت تقاعست نفسك، وتكاسلت، وعدت من حيث بدأت، ورجعت بعد مسيرة أسبوع أو أسبوعين، بخفي حنين. ذلك أن آفة التغيير هي النفَس القصير، ولا يتحقق التغيير إلا بالاستمرارية، والتي تكون طيعة لك في رمضان خلال ثلاثين يومًا، وهي كفيلة لتثبيت العادات الحسنة، ومحو العادات السيئة.

إنك خلال الشهر الفضيل تؤسس للسلوك الجديد إلى أن يصبح عادة تلقائية لك، ومع المداومة عليه بعد رمضان، يتحول إلى أسلوب حياة دائم.

فرمضان بعدة أيامه الثلاثين، فرصة عظيمة للتخلي عن العادات المشينة، والتي تسيئ لصاحبها، وأن يستبدل بها عادات أخرى حسنة وقويمة وسوية. وهو ما يسمى بتعديل السلوك؛ فالصائم جدُّ حريص على صحة صومه، فينأى عن كل ما يقدح في صحته، أو ينقص من ثوابه، أو يفسد عليه صيامه من اللغو والرفث والفسوق.

وبذلك وعلى مدار أيام الشهر الثلاثين المتتابعات، يكون قد تخلى جملة وتفصيلًا عن كثير من الأخلاق المذمومة، والتي كان يتصف بها، ويتحلى ـ حين خلا موضعها ـ بالخلال الكريمة والخصال الحسنة، والتي كان يفتقر إليها.

فتراه رحيمًا بعد أن كان قاسيًا، عفيفًا بعد الشره والمجون، صادقًا بعد أن أدمن الكذب، جوادًا بعد الشح والبخل والأثرة. يتواصل مع أقربائه وذوي رحمه وجيرانه، بعد العزلة والبُعد وقطيعة الأرحام.

كما يجنب نفسه الملهيات، ويترفع عن مضيعات الوقت، والتي كانت تهدر شطرًا كبيرًا من يومه، فيما لا يعود عليه بأي طائل، فتراه في الشهر الكريم يضن بوقته أن يضيع سدى، أو يذهب هباء، أو يمر بين يديه دون أن يعبئه بما يُعد ذخيرة له وذخرًا؛ فيشغل دقائق يومه وثوانيه بالذكر والقرآن وفعل الخيرات واكتساب العلم النافع، وكل ما يعود عليه بالأجر العظيم.

وبذلك يتحقق للصائمين الاستشفاء الذاتي من أدران النفس، والسمو الروحي بالذكر، وتقويم النفس وتهذيبها بتعديل السلوكيات، وكل ذلك في مدرسة رمضان الإيمانية التربوية.


google-playkhamsatmostaqltradent