recent
عـــــــاجــــل

حين يختنق الداخل.. مصر تواجه تحدياً نفسياً واسع النطاق

 

حين يختنق الداخل.. مصر تواجه تحدياً نفسياً واسع النطاق

حين يختنق الداخل.. مصر تواجه تحدياً نفسياً واسع النطاق


بقلم: د. هاني الزنط


لم تعد قضية الصحة النفسية في مصر مسألة هامشية يمكن تأجيلها أو التعامل معها بوصفها مشكلة فردية معزولة، بل تحولت إلى مؤشر تنموي بالغ الأهمية يمس جودة رأس المال البشري واستقرار الأسر وكفاءة الاقتصاد. البيانات الصادرة خلال عامي 2024 و2025 تكشف بوضوح أن الضغوط النفسية لم تعد حالات متفرقة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار تتطلب قراءة أعمق وتعاطياً أكثر جدية على مستوى السياسات العامة.


تشير تقديرات وزارة الصحة والسكان استناداً إلى بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 24.5% من المصريين يعانون من اضطرابات أو أعراض نفسية بدرجات مختلفة. هذه النسبة تعني عملياً أن واحداً من كل أربعة أفراد في المجتمع يواجه تحدياً نفسياً قد ينعكس على قدرته الإنتاجية وعلى علاقاته الاجتماعية واستقراره الأسري. وتوضح الإحصاءات أن 43.7% من الحالات المسجلة ترتبط باضطرابات المزاج وعلى رأسها الاكتئاب، بينما تمثل اضطرابات تعاطي المواد نحو 30.1%، في حين تشكل اضطرابات القلق ما يقرب من 25% من الحالات.


ورغم اتساع حجم المشكلة، فإن التقارير الصادرة عن الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان تشير إلى وجود فجوة علاجية مقلقة. فعدد الأطباء النفسيين لا يزال محدوداً مقارنة بعدد السكان، إذ يبلغ المتوسط طبيباً نفسياً واحداً لكل نحو خمسين ألف مواطن. كما تتركز معظم الخدمات في محافظتي القاهرة والإسكندرية، بينما تعاني محافظات أخرى نقصاً واضحاً في البنية العلاجية والخدمات المتخصصة. هذه المعادلة تخلق فجوة حقيقية بين حجم الاحتياج المتزايد وقدرة النظام الصحي على الاستجابة.


وتبرز فئة الشباب بوصفها الأكثر تأثراً بهذه الضغوط، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. تقارير إعلامية ودراسات حديثة خلال عامي 2024 و2025 تشير إلى أن 74% من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في مصر يتأثرون بالمقارنات الرقمية التي تفرض ضغوطاً على تقدير الذات. كما أظهرت دراسات أجريت على طلاب جامعات وجود ارتباط واضح بين أنماط سلوكية مرتبطة بالاستخدام المكثف للمنصات الرقمية وبين ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب. وفي مجتمع يشكل الشباب فيه النسبة الأكبر من السكان، يصبح الضغط النفسي تحدياً مباشراً لمستقبل التنمية.


ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاجتماعي أو الصحي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الاقتصاد. تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن اضطرابات القلق والاكتئاب تتسبب عالمياً في خسائر إنتاجية تقدر بمليارات الدولارات سنوياً. وفي السياق المصري، تتجلى هذه الخسائر في انخفاض مستويات التركيز والإنتاجية، وارتفاع معدلات الغياب عن العمل، إضافة إلى زيادة الإنفاق الصحي غير المخطط. من هذا المنطلق لم تعد الصحة النفسية عبئاً على الاقتصاد، بل أصبحت شرطاً أساسياً لاستدامته.


وعلى صعيد الاستجابة الرسمية، أعلنت وزارة الصحة والسكان أنه تم تقديم أكثر من مليون ونصف المليون خدمة مرتبطة بالصحة النفسية للأطفال والمراهقين خلال الفترة من أواخر عام 2024 وحتى عام 2025، وذلك ضمن مبادرات وطنية تستهدف الكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية. وتمثل هذه الخطوة مؤشراً إيجابياً على إدراك حجم التحدي، إلا أنها تظل استجابة جزئية مقارنة باتساع حجم الطلب المجتمعي على خدمات الدعم النفسي.


ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار الاتجاهات الحالية دون توسع حقيقي في الاستثمار الوقائي قد يؤدي إلى تداعيات بعيدة المدى، من بينها تآكل رأس المال البشري وارتفاع معدلات العنف السلوكي وتضخم الإنفاق الصحي، فضلاً عن تراجع مؤشرات جودة الحياة. في المقابل، يمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة إذا تم تبني سياسات أكثر شمولاً، مثل إدماج خدمات الإرشاد النفسي داخل المدارس والجامعات، وزيادة مخصصات الصحة النفسية، وتدريب المعلمين والأخصائيين الاجتماعيين على اكتشاف المشكلات مبكراً، إلى جانب إطلاق حملات وطنية واسعة لتفكيك الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج النفسي.


الخلاصة أن مصر تمتلك طاقة بشرية هائلة تمثل ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي، غير أن الحفاظ على هذه الطاقة يتطلب حماية التوازن النفسي للمجتمع. فالقضية لم تعد صحية فقط، بل أصبحت اقتصادية وتنموية وأمنية في آن واحد. إن تجاهل الملف لم يعد خياراً، لأن الاستثمار في الصحة النفسية هو في جوهره استثمار مباشر في استقرار الدولة وقدرتها على البناء.


google-playkhamsatmostaqltradent