«الصادي».. قصة قصيرة
بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي
- نأيتَ عنه؟
أطرقتَ قبل أن تجيب صديقك، بطأطأة رأسك في انكسار.
فأعاد سؤاله بصورة أشد إيلامًا:
- هجرتَ فلذة كبدك؟
دمعتْ عيناك، ثم أشحت بوجهك بعيدًا عنه.
كانت الجفوة قد بلغت شأوًا بعيدًا بينك وبين ابنك، إلى درجة تعذر معها بقاؤكما معًا؛ ما دفعك دفعًا إلى هجر ولدك؛ تفاديًا للمشاحنات بينكما. لم يكن هذا وفقط الدافع، وإنما للعقوق الذي خشيتَ من تبعاته عليك.
- كنتُ أخشى أن أفقد – على يديه – حياتي.
صدمه الرد، ففغر فاه، وقد ألجمته الدهشة. ثم قال بعد أن استوعب كلامك:
- ألهذا الحد تخشى على حياتك من ابنك، فلذة كبدك؟
- نعم، لقد بدا الغدر في عينيه كذئب متربص بي.
- ذئب؟
- نعم، لقد راح ينشب مخالب العداء في أديم علاقته بي.
- لا أكاد أصدق ما أسمع.
ندت عنك ضحكة جافة بلا روح، ثم أردفتَ:
- لقد اهترأت علاقتنا، ولم يعد ثمة مكان يمكن أن نلتقي فيه.
كان ابنك في سن حرجة، إنه بالكاد قد استخرج حديثًا بطاقة تحقيق الهوية. ولا يزال على أعتاب الطفولة، ويفتقر إلى دعائم تؤطر ماهيته وكينونته.
وكنتَ كهلًا في الخمسين من عمرك. قصارى أملك أن يشتد عود ولدك؛ لتتكئ عليه عندما تتقدم بك السن، ولكن خاب أملك فيه، وبؤت بالبوار.
- وما مصير ولدك الآن؟
أخرجك سؤاله من بئر خواطرك، فرفعت إليه عينين زائغتين:
- كنت أظنه سيرجع إلى أمه، ولكنها لفظته كما لفظتني.
- هل تزوجتْ؟
- نعم، بعد أن طُلقتْ بالمحكمة، راحت تبحث لنفسها عن زوج آخر.
- ومتى تزوجت؟
- بعد انقضاء عدتها بأسبوع واحد؛ وكأنهما كانا على موعد.
نظر إليك يستحثك على المزيد من البوح والكلام، فواصلت حديثك:
- بعد وقوع الطلاق، عدتُ إلى ابني، ضممته إليَّ، دعمته حتى بدا لي أنه قد تجاوز محنته.
- شعور طيب، يضيف إلى رصيدك عنده.
- لكنه بدلًا من أن يقدِّر لأبيه تضحيته، راح يناصبني العداء.
- وماذا عن موقفه من والدته؟
- بالرغم من أنها رمت به كجيفة منتنة، إلا أنه لا يزال يتودد إليها، بالرغم مما يلقاها منها من الجفوة والنفور.
عجيب أمر ولدك، وأعجب منه أمر تلك الأم اللئيمة التي تمكنت من غرس بذور الحقد في قلب ولدك وهو لا يزال غض صغير، وراحت مع الأيام تروي تلك الكراهية حتى آتت أكلها.
استأذنت في الانصراف، كانت النيران تستعر في صدرك، وعيناك زائغتان، لقد نكأ صديقك – دون قصد – الجُرح، ظنًا منه أنه قد اندمل.
كنت تسير شارد اللب، فاصطدمتَ بإحدى أعمدة الإنارة، وسقطت أرضًا.
أسرع نحوك أحد الصبية، أقعدك، وتوسد الأرض بجانبك، وراح يمسح الدم عن وجهك. سألك عن بيتك، وأصر أن يوصلك بنفسه. اتكأت على كتف الصبي، وسرتما معًا كغصني بان، مال أحدهما على الآخر.
- كيف حالك الآن يا أبي؟
مست الكلمة شغاف قلبك، وتذكرت – على التو - ابنك .. وددت لو كان هذا الصبي هو ابنك.
- ما أقساك يا ولدي!
قلتها بينك وبين نفسك، ثم نظرتَ إلى الصبي نظرة شكر وامتنان، وقلت له:
- الحمد لله، بخير يا بني.
ثم ربتَّ على كتفه في امتنان.
على عتبة باب بيتك استأذن الصبي في الانصراف، رجوته أن يدخل. وافق، جلس معك بعض الوقت، ضمد جرحك، عندما علم أنك تعيش وحدك، راح يصلح من شأن بيتك، ويرتب الوسائد، أعد لك وجبة طعام، ثم استأذن في الانصراف، على وعد أن يزورك مرة أخرى.
- ما أعجب القدر!
قلتها، وأنت توصد الباب خلفه، ورحت كالفيلسوف تتأمل:
- كيف يجفوك الذي منك، وتجني الحنان من الغريب.
قلتها وأنت تشيعه ببصرك من النافذة، وطال التفكير حتى وصلت إلى حل هذا اللغز.
- إنها الأم، نعم أمه، التي غذت ابني على كراهيتي دون سبب.
كانت مطلقتك قد ورثت ابنها بغضها لك، وها هو الآن يجني أشواك ما غرست يدها الأثيمة.
في إحدى زيارات الصبي لمنزلك، قال لك:
- غدًا، لن أحضر بمفردي.
رفعتَ إليه وجهًا متسائلًا.
فقال، وقد لمعت عينه ببريق عجيب:
- سيحضر معي صديق لي.
- مرحبًا بك وبمن يأتي معك.
وانشرحت أساريرك. كنت تأنس لزيارة الناس، وتجد فيهم بعض العوض عن حرمانك من ولدك.
واستأذن الصبي في الانصراف، ولم تُحر الأمر مزيد اهتمام، حتى إنك تناسيته وسط انشغالاتك اليومية والمعيشية.
في اليوم التالي، كنت على موعد مع ابنك في صحبة هذا الصبي النبيل. ما إن فتحت لهما الباب، حتى هوى ولدك على قدميك لثمًا وتقبيلًا، ثم عناق وبكاء، واعتذار بدا فيه الندم على ما صدر منه نحوك.
علمتَ بعد ذلك أن الصبي قد تطوع لرأب الصدع بين ولدك وبينك، وبذل في سبيل ذلك جهودًا مضنية؛ من أجل أن يفيء ابنك إلى رشده، ويعيده إليك.
الآن صار لك ولدان، يتوددان إليك، وتتكئ عليهما. انتصب ظهرك – بعد انحناء - وأنت تجلس بينهما. نسيت ما جرى بالأمس، ورحت تقطف معهما زهور الحب والسلام.
