recent
عـــــــاجــــل

إعادة سن الحضانة إلى 7 و9 سنوات ضرورة لإنقاذ التوازن الأسري

 

إعادة سن الحضانة إلى 7 و9 سنوات ضرورة لإنقاذ التوازن الأسري

إعادة سن الحضانة إلى 7 و9 سنوات ضرورة لإنقاذ التوازن الأسري


بقلم: حسن سليم

حين يُفتح ملف قانون الأسرة، لا يكون الحديث عن نصوص قانونية مجردة، بل عن حياة كاملة تُصاغ من جديد بعد لحظة انفصال، وعن أطفال يجدون أنفسهم في قلب معادلة شديدة الحساسية لا تحتمل الخطأ أو التجريب. وفي هذا السياق يظل ملف سن الحضانة أحد أكثر الملفات تأثيرًا وعمقًا، لأنه لا يمس طرفًا بعينه، بل يمس مستقبل أجيال كاملة.


في القانون المصري الحالي، يمتد سن الحضانة إلى 15 عامًا مع تخيير الطفل بعد ذلك، وهو امتداد زمني طويل أثار عبر السنوات العديد من الإشكاليات الاجتماعية والنفسية والقانونية، وأفرز واقعًا يحتاج إلى مراجعة هادئة وعميقة لا تقوم على الانفعال، بل على إعادة التوازن إلى منظومة الأسرة بما يحقق المصلحة الحقيقية للطفل أولًا.


ومن هنا يبرز طرح العودة إلى سن الحضانة القديم، عند 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، ليس باعتباره تراجعًا عن تطور تشريعي، بل باعتباره إعادة ضبط لبوصلة العدالة بما يتناسب مع الطبيعة الإنسانية للطفل واحتياجاته في مراحل نموه المختلفة. فالقانون في جوهره ليس سباقًا في إطالة المدد، وإنما هو فن تحقيق التوازن بين الحقوق والاحتياجات والواقع النفسي والاجتماعي.


إن السنوات الأولى من عمر الطفل ليست مجرد مرحلة زمنية، بل هي التكوين الأساسي للشخصية والانتماء والاستقرار النفسي. وفي هذه المرحلة يكون الاحتياج للرعاية المباشرة والرعاية اليومية المكثفة في أعلى مستوياته، حيث تتشكل مفاهيم الأمان والارتباط العاطفي بشكل يصعب تعويضه لاحقًا. ومن هنا جاءت فلسفة سن الحضانة القصير نسبيًا في العديد من النظم القانونية، باعتبارها استجابة مباشرة لطبيعة الطفولة لا لطبيعة النزاعات.


إن إطالة سن الحضانة حتى 15 عامًا، رغم ما قد تحمله من اعتبارات تنظيمية، أدت في حالات كثيرة إلى إطالة أمد النزاع بين الأطراف، وتحويل الطفل إلى نقطة صراع ممتد، بدل أن يكون محور رعاية مستقرة. فكلما طال أمد الحضانة في سياق النزاع، زادت احتمالات التوتر، وامتدت آثار الخلافات إلى حياة الطفل اليومية، وهو ما يتعارض مع الهدف الأسمى لأي تشريع أسري، وهو حماية الطفل من تبعات الخلافات لا تعميقها.


إن العودة إلى سن 7 و9 سنوات لا تعني انتقاصًا من أي طرف، بل هي إعادة توزيع أكثر واقعية للأدوار بعد مرحلة التأسيس الأولى في حياة الطفل. ففي السنوات الأولى، يكون التركيز على الرعاية الحاضنة اليومية التي توفرها الأم غالبًا، بينما تأتي المرحلة التالية لتمنح مساحة أوسع لدور الأب في التوجيه والتنشئة الاجتماعية، في إطار متوازن لا يقوم على الإقصاء بل على التكامل.


ولعل جوهر الفكرة لا يكمن فقط في الأرقام، بل في الفلسفة التي تحكمها. فالقانون العادل هو الذي يفهم أن الطفل ليس طرفًا في نزاع، بل هو أمانة يجب حمايتها من التشتت النفسي والاضطراب العاطفي. وكلما كان الإطار الزمني للحضانة واضحًا ومحدودًا ومبنيًا على أسس علمية ونفسية، كلما قلّت مساحة النزاع وارتفعت فرص الاستقرار.


إن التجارب الإنسانية والاجتماعية تؤكد أن إطالة أمد النزاعات الأسرية لا يصب في مصلحة أي طرف، بل يترك آثارًا ممتدة على الأطفال في مراحلهم التعليمية والنفسية والاجتماعية. ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في فلسفة سن الحضانة، لا بوصفها مادة قانونية فقط، بل باعتبارها ركيزة لبناء مجتمع أكثر استقرارًا.


إن الدعوة إلى إعادة الاعتبار لسن 7 سنوات للولد و9 للبنت ليست دعوة شكلية، بل هي دعوة لإعادة التوازن إلى معادلة اختلت مع الوقت، وإعادة الاعتبار للطفل كغاية أولى وأخيرة لأي تشريع أسري. فالقانون الذي لا يضع الطفل في مركزه الحقيقي، يظل قانونًا ناقصًا مهما تعددت مواده وتنوعت تعديلاته.


وفي النهاية، فإن أي إصلاح حقيقي لقانون الأسرة لن يكتمل دون معالجة هذا الملف من جذوره، لا بتعديلات جزئية أو ترقيعية، بل بإعادة بناء فلسفته على أساس واضح: أن الحضانة ليست امتيازًا لطرف، بل مسؤولية مؤقتة هدفها الأول والأخير هو حماية الطفل، وضمان انتقاله الآمن بين مراحل نموه دون صراع أو اضطراب.



google-playkhamsatmostaqltradent