مصر وليبيا شريان واحد بين ضفتي المتوسط
بقلم: حاتم السعداوي
في لحظة إقليمية مضطربة تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ وتتصاعد فيها حدة التنافس على مصادر الطاقة، تبرز العلاقة المصرية الليبية بوصفها واحدة من أكثر العلاقات العربية تماسكًا وخصوصية، علاقة لا تُختزل في بيانات مشتركة أو لقاءات بروتوكولية، بل تمتد جذورها إلى التاريخ والجغرافيا والقبيلة والمصير المشترك، لتشكل نموذجًا نادرًا في الإقليم يقوم على التشابك لا على التقاطع، وعلى الامتداد لا على الحدود.
فمنذ عقود طويلة، ظل الملف الليبي حاضرًا في الحسابات الاستراتيجية المصرية، ليس فقط باعتبار ليبيا جارًا مباشرًا، بل باعتبارها عمقًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن القومي والاقتصادي والاجتماعي على حد سواء. وفي المقابل، لم تتعامل ليبيا مع مصر بوصفها طرفًا خارجيًا، بل كامتداد طبيعي في الجوار الإنساني والسياسي، تتقاطع معه المصالح وتتداخل معه المصائر.
في قلب هذا المشهد، يبرز ملف الطاقة باعتباره أحد أهم روافد هذا التقارب. فليبيا، بما تمتلكه من احتياطيات نفطية ضخمة، تمثل عنصر توازن مهم في معادلة الطاقة الإقليمية، بينما تمثل مصر سوقًا رئيسيًا وشريكًا لوجستيًا قادرًا على تحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة عبر شبكات التكرير والنقل والخبرة الفنية. هذا التكامل لم يُبنَ في لحظة طارئة، بل هو امتداد لتراكم طويل من التعاون الذي أدرك مبكرًا أن أمن الطاقة في البلدين ليس ملفًا منفصلًا، بل منظومة واحدة تتأثر وتؤثر في بعضها البعض.
ومع تعاقب الأزمات الدولية وتقلبات أسواق النفط، تزداد أهمية هذا التنسيق، ليس فقط من زاوية الإمدادات، ولكن من زاوية الاستقرار الإقليمي ذاته. فكلما تعززت قنوات التعاون، تراجعت فرص الفوضى، وكلما اتسعت دوائر الشراكة، ضاقت مساحات التدخلات الخارجية التي كثيرًا ما أثقلت كاهل المنطقة.
غير أن قراءة العلاقة بين البلدين لا تكتمل دون العودة إلى بعدها التاريخي العميق. ففي الذاكرة المشتركة صفحات ممتدة من الدعم والتساند، حين احتضنت مصر نضال الليبيين ضد الاستعمار، وكانت أرضها ملاذًا وممرًا آمنًا لحركات التحرر، وحين وقفت ليبيا في محطات مفصلية داعمة للقاهرة، خصوصًا في مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، حيث لعبت الموارد الليبية دورًا داعمًا في معادلات الصمود العربي. هذه الوقائع لم تكن مجرد مواقف عابرة، بل تأسيسًا فعليًا لفكرة أن المصير بين البلدين واحد مهما تغيرت الظروف.
وفي هذا السياق، يكتسب البعد الاجتماعي أهمية استثنائية، حيث تمثل قبائل أولاد علي أحد أبرز الجسور البشرية الممتدة بين شرق ليبيا وغرب مصر، خاصة في مناطق مرسى مطروح وسواحل الإسكندرية. هذه الامتدادات القبلية لم تكن مجرد روابط نسب، بل شكلت عبر الزمن شبكة أمان اجتماعي واقتصادي، حافظت على تماسك الحدود الطبيعية، وجعلت من الحركة بين الجانبين امتدادًا طبيعيًا للعلاقات الأسرية والتجارية.
هذه الروابط القبلية لعبت دورًا غير معلن لكنه بالغ التأثير في تهدئة الكثير من التوترات، وفتح مسارات للتواصل حين كانت السياسة الرسمية تتعثر، لتؤكد أن ما تصنعه الجغرافيا أحيانًا يفوق ما تصوغه الاتفاقيات.
وفي المقابل، تستمر مصر في أداء دور محوري في دعم استقرار الدولة الليبية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار ليبيا هو جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم بأكمله. سواء عبر دعم مسارات الحل السياسي، أو المساهمة في بناء المؤسسات، أو فتح قنوات الحوار بين الأطراف الليبية المختلفة، ظلت القاهرة تتعامل مع الملف الليبي باعتباره قضية أمن قومي ممتد، لا مجرد ملف خارجي.
ومع تداخل هذه الأبعاد، يتضح أن العلاقة بين البلدين لم تعد مجرد تعاون ثنائي تقليدي، بل أصبحت بنية متكاملة من المصالح المشتركة التي تشمل الاقتصاد والأمن والطاقة والمجتمع. وهي بنية تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة إلى أفق أوسع يقوم على فكرة التكامل الإقليمي في مواجهة التحديات.
في النهاية، تبدو مصر وليبيا وكأنهما تعيدان تعريف مفهوم الجوار في المنطقة، ليس كخط فاصل على الخريطة، بل كشريان ممتد للحياة، يتدفق فيه التاريخ مع الجغرافيا، وتتحرك فيه الطاقة جنبًا إلى جنب مع البشر، ليبقى جوهر العلاقة أكبر من السياسة، وأعمق من المصالح، وأقرب إلى فكرة المصير الواحد.
