recent
عـــــــاجــــل

عصب الدولة

عصب الدولة


 عصب الدولة


بقلم: د. بيتر ناجي 

عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع وزميل جمعية الضرائب المصرية


المحليات من النص الدستوري إلى ساحة الفعل


لم يعد الحديث عن قانون الإدارة المحلية في مصر ترفًا تشريعيًا مؤجلًا، فنحن أمام ملف يمس العلاقة بين الدولة والمواطن بشكل مباشر، وأمام فرصة لإعادة بناء ما يمكن وصفه بعصب الدولة في المستوى الأقرب لحياة الناس.


القانون القائم، قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، لم يعد كافيًا للتعامل مع واقع تغيّر كثيرًا، ومع دستور 2014 الذي أقر اللامركزية كأحد مبادئ الإدارة، أصبح من الطبيعي أن نتحرك نحو قانون جديد يعيد ترتيب المشهد ويمنح المحليات دورًا حقيقيًا.


المحليات ليست مجرد تقسيم إداري، بل هي المكان الذي تظهر فيه كفاءة الدولة أو عجزها؛ في الشارع الذي تسير فيه كل يوم، وفي الرخصة التي تنتظرها، وفي النظافة والإنارة والخدمات.


هنا تظهر أهمية المجالس المحلية المنتخبة، فهذه المجالس ليست ديكورًا سياسيًا، بل تمتلك أدوات رقابية واضحة؛ تسأل وتناقش وتتابع وتراجع، وتستطيع أن تفرض انضباطًا على الأداء التنفيذي إذا استخدمت صلاحياتها بشكل صحيح.


لكن الواقع يقول إن هذه المجالس غائبة منذ 2011، ومع غيابها غابت معها الرقابة الشعبية المباشرة، وأصبحت الإدارة المحلية تعمل دون مراجعة منتخبة قريبة من المواطن.


الآن هناك تحرك واضح، يتمثل في مناقشات داخل البرلمان، ولجنة مشتركة لإعادة صياغة القانون، ومؤشرات على وجود رغبة في إنهاء هذا الملف.


لكن السؤال الحقيقي ليس متى يصدر القانون، بل من سيطبقه.


الانتخابات المحلية القادمة لن تكون حدثًا عاديًا، فنحن نتحدث عن آلاف المواقع في كل قرية ومدينة ومحافظة، وهو ما يفتح الباب أمام جيل جديد من القيادات.


العمل المحلي ليس عملًا بسيطًا، بل هو اختبار يومي للقدرة على الإدارة؛ فيه تتعامل مع موارد محدودة ومطالب كثيرة، وفيه تتعلم كيف تحوّل المشكلة إلى حل قابل للتنفيذ.


من هنا تأتي أهمية الاستعداد، ليس بالكلام أو الشعارات، بل بفهم القانون، ومعرفة الواقع، والقدرة على التحليل واتخاذ القرار.


الدولة يمكن أن تصدر قانونًا، لكنها لا تستطيع أن تخلق وحدها قيادات ناجحة؛ فهذا دور المجتمع، ودور الأحزاب، ودور كل شاب يقرر أن يكون جزءًا من الحل.


المحليات ليست خطوة صغيرة في العمل العام، بل هي البداية الحقيقية، ومنها تتشكل القيادات التي تدير الدولة لاحقًا.


الرهان اليوم ليس فقط على نص قانون جديد، بل على من سيتحمل مسؤولية تطبيقه على الأرض، لأن أي تجربة تنجح أو تفشل تتوقف على من يديرها.


google-playkhamsatmostaqltradent