هدى العيسوي تكتب: التعايش في العالم العربي من روح الأعياد إلى سياسات ترسخ التنوع والاستقرار
مع اقتراب احتفالات عيد القيامة المجيد، تتجدد في مصر واحدة من أبهى صور التعايش المجتمعي، حيث تتجاوز المناسبة حدودها الدينية لتتحول إلى مشهد إنساني يعكس عمق الترابط بين أبناء الوطن، في صورة يومية تتجسد فيها قيم الاحترام المتبادل والمشاركة الوجدانية بين المسلمين والمسيحيين، لتغدو الأعياد مساحة جامعة تعبر عن وحدة النسيج الوطني الممتد عبر التاريخ.
وتحمل هذه المناسبة أبعادًا إنسانية تتجاوز الإطار العقائدي، إذ تستلهم من رسالة السيد المسيح قيم المحبة والسلام، وهي المبادئ التي شكلت عبر العصور جوهر الخطاب الديني والإنساني، لتؤكد أن السلام يظل القاسم المشترك بين البشر رغم اختلافاتهم، وأن صناعة السلام تمثل رسالة سامية تتجاوز الحدود والانتماءات.
وفي السياق المصري، لا يتوقف التعايش عند حدود المناسبات، بل يتجذر في بنية المجتمع، حيث تتحول الأعياد إلى لحظات كاشفة لقيم أعمق ترتبط بالهوية والانتماء، وهو ما ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية التي تجمع بين مختلف أطياف المجتمع في إطار من التفاهم والتكامل.
ويؤكد الدكتور محمد عنب أستاذ الآثار والعمارة الإسلامية بكلية الآثار جامعة الفيوم أن هذا المعنى يتجسد بوضوح في نماذج تاريخية فريدة، يأتي في مقدمتها مجمع الأديان بمنطقة مصر القديمة، الذي يضم الكنيسة المعلقة وكنيس بن عزرا إلى جانب مسجد عمرو بن العاص، في مشهد عمراني يعكس قرونًا من التعايش بين أتباع الديانات المختلفة داخل مساحة جغرافية واحدة، بما يحمله من دلالات حضارية على قبول الآخر والتعدد الثقافي.
ومن هذا النموذج، يمكن الانطلاق إلى تجارب عربية متنوعة تعكس أشكالًا متعددة من التعايش، ففي كركوك يتجلى هذا المفهوم في صورته الثقافية من خلال فعاليات فنية مثل عروض المونودراما متعددة اللغات، حيث تتحول الفنون إلى منصة للحوار والتلاقي بين مكونات المجتمع المختلفة.
أما في لبنان، فيبرز التعايش كجزء من الحياة اليومية، حيث تتجاور دور العبادة في أحياء ومدن عدة، ويتشارك المواطنون في مناسبات اجتماعية تعزز من الروابط الإنسانية، ليصبح التنوع الديني عنصرًا من عناصر الثراء المجتمعي.
وعلى المستوى المؤسسي، تقدم دولة الإمارات نموذجًا متقدمًا في إدارة التنوع، من خلال سياسات عامة تقوم على احترام التعددية وضمان الحقوق، وهو ما ينعكس في الخطاب الرسمي الذي يؤكد على احتضان مختلف الجنسيات في إطار من سيادة القانون والمساواة، بما يعزز الاستقرار ويكرس ثقافة الانفتاح.
وفي المغرب، يظهر التعايش في بعده التاريخي من خلال الحفاظ على مكونات الهوية المتعددة، خاصة التراث اليهودي الذي يُصان باعتباره جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية، في حين يقدم الأردن نموذجًا قائمًا على الاعتدال ودعم الحوار بين الأديان، بما يسهم في ترسيخ مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات.
وتكشف هذه النماذج أن التعايش في العالم العربي لم يعد مفهومًا جامدًا، بل أصبح منظومة متكاملة تتجلى في المجتمع والثقافة والسياسات والتاريخ، بما يعكس قدرة المنطقة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة.
وفي ظل التوترات العالمية المتزايدة، تبرز هذه التجارب العربية كأمثلة حية على إمكانية إدارة الاختلاف بصورة إيجابية، حيث يتحول التنوع إلى ركيزة للاستقرار والتنمية، ويغدو التعايش خيارًا استراتيجيًا لصياغة مستقبل أكثر توازنًا، تتجسد فيه قيم السلام التي دعت إليها الرسالات السماوية.
وعندما تتحول هذه القيم إلى ممارسة يومية، يصبح التعايش حقيقة راسخة، ويتحول الاختلاف إلى مصدر إثراء للحياة، لتبقى المحبة والسلام الرابط الأعمق الذي يجمع بين البشر ويصون تماسك المجتمعات.



