recent
عـــــــاجــــل

مصر وأمن الخليج.. قراءة استراتيجية بين منطق الدولة وضجيج المزايدات

 

مصر وأمن الخليج.. قراءة استراتيجية بين منطق الدولة وضجيج المزايدات

مصر وأمن الخليج.. قراءة استراتيجية بين منطق الدولة وضجيج المزايدات


بقلم: أ.د الهلالى الشربينى الهلالى

وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الاسبق


في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، لا سيما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتجدد دعوات تطالب مصر باتخاذ مواقف تتجاوز حدود الحسابات الاستراتيجية الواقعية، وكأنها مطالبة بخوض حرب لم تُعلن، ولم تُحدد أطرافها العربية موقفًا جماعيًا منها.


غير أن قراءة متأنية لطبيعة المشهد تكشف أن ما يدور في المنطقة هو صراع تحكمه اعتبارات خاصة بكل طرف، ولم يُصنَّف، حتى الآن، كحرب عربية شاملة، كما لم يصدر بشأنه قرار جماعي يُلزم الدول العربية، بما فيها مصر، بالانخراط العسكري المباشر فيه.


ومن ثم، فإن تصوير الموقف المصري باعتباره "تخليًا" عن دول الخليج يُعد قراءة غير منطقية، تتجاهل حقيقة أن هذه الحرب، في جوهرها، ليست حربًا مصرية، كما أنها لم تتحول إلى حرب خليجية معلنة، وهو ما يجعل الدعوة إلى انخراط عسكري مصري مباشر فيها أمرًا يفتقر إلى الأساس المنطقي والحس الاستراتيجي.


وفي ظل تصاعد الخطاب الإعلامي، واختلاط التحليل بالمزايدات، يظل السؤال الأكثر موضوعية: من أعلن الحرب؟  ولإجابة الواضحة: لا أحد من الدول العربية؛ فدول الخليج، منذ عام 2019 وحتى اليوم، انتهجت سياسات تقوم على إدارة التوترات واحتوائها، وليس تفجيرها أو تحويلها إلى مواجهة شاملة. وبالتالي، فإن طرح تساؤل حول سبب عدم دخول مصر حربًا لم يعلنها أصحابها يظل تساؤلًا مشروعًا، يعكس الحاجة إلى إعادة ضبط النقاش وفق معايير الواقع، بعيدًا عن الانفعال.


في عام 2015، طرحت مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مبادرة لإنشاء قوة عربية مشتركة قوامها نحو 40 ألف جندي، تتمتع بقدرات تدخل سريع، بهدف تعزيز استقلال الأمن العربي وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية، غير أن هذه المبادرة لم تحظَ بالدعم الكافي، في ظل توجه بعض الدول للاعتماد على المظلة الأمنية الدولية، وعلى رأسها الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، والذي تشير التقديرات إلى أنه يضم عشرات الآلاف من الجنود داخل قواعد منتشرة في دول الخليج.


واليوم، ومع تعقّد التحديات الأمنية، تتزايد المؤشرات على أن الاعتماد الحصري على الحماية الخارجية لا يوفر ضمانات كافية للاستقرار، وهو ما يعيد الاعتبار إلى الطرح المصري بوصفه رؤية استباقية لم يُكتب لها الاكتمال.


وعند تقييم الموقف المصري من الأمن العربي، تبرز أهمية العودة إلى سجل الممارسات الفعلية بدلًا من مجرد الخطاب النظري. ففي حرب تحرير الكويت، شاركت مصر بثاني أكبر قوة عربية، تجاوز قوامها 35 ألف جندي، في إطار الدفاع عن الأمن العربي. كما لعبت دورًا داعمًا للاستقرار خلال الحرب العراقية الإيرانية، بما أسهم في منع اتساع نطاق الصراع عربيًا.


وقبيل غزو العراق، حذّرت مصر من تداعيات انهيار الدولة العراقية، بما في ذلك الخسائر البشرية والاقتصادية، وصعود موجات الإرهاب. وهي تحذيرات تشير تطورات الأحداث اللاحقة إلى أنها كانت تستند إلى قراءة استراتيجية مصرية مبكرة.


وفي ظل ما شهدته المنطقة العربية منذ عام 2011 من تحولات عميقة، شملت أزمات متعددة في عدد من الدول، من بينها ليبيا والسودان واليمن وسوريا ولبنان وقطاع غزة، تبنّت مصر رؤية تقوم على: الحفاظ على استقرارها الداخلي رغم كل التحديات، ودعم استقرار الدول المجاورة، لا سيما في ليبيا، والتحرك دبلوماسيًا في عدد من الملفات الإقليمية، وإدارة ملف غزة من خلال الوساطة في اتفاقات وقف إطلاق النار، وفتح معبر رفح في أوقات الأزمات، ورفض مخططات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، هذا بالإضافة إلي   استقبال مواطني الدول المتأثرة بالأزمات، دون اعتماد نماذج العزل في مخيمات اللجوء.


وفي ضوء المعطيات الراهنة، فإن أي انخراط في حرب إقليمية شاملة ينطوي على تكاليف مرتفعة، قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات يوميًا، فضلًا عن مخاطر اتساع رقعة الصراع لتشمل عدة دول، وتأثير ذلك على أمن الطاقة والتجارة العالمية. ومن هذا المنطلق، فإن امتناع مصر عن الانخراط في صراع مفتوح لا يعكس تراجعًا، بل يعبر عن التزام بمنطق الدولة التي توازن بين متطلبات الأمن القومي وتجنب حروب الاستنزاف، وعدم الدخول في حروب إلا في حالة الضرورة الوجودية.


وتشير بعض التحليلات إلى أن جزءًا من الخطاب الإعلامي التصعيدي في هذا السياق يرتبط بمنصات إعلامية ذات توجهات سياسية، بعضها مرتبط بجماعات مثل جماعة الإخوان، وتعمل من خارج المنطقة العربية. وقد اتسمت بعض هذه الخطابات بتغليب الطابع التحريضي، وتجاهل الاعتبارات الاستراتيجية، وتوظيف الأزمات الإقليمية في سياقات سياسية، وهو ما يطرح تساؤلات حول تأثير الإعلام غير المتوازن على تشكيل الرأي العام.


ويؤكد الواقع والتاريخ والجغرافيا أن أمن الخليج يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي المصري، ومن ثم فمصر، في إطار سياساتها، لا تتخلى عن التزاماتها العربية والإقليمية، لكنها في الوقت ذاته لا تستجيب لضغوط خطابية انفعالية قد تدفع نحو قرارات عالية الكلفة دون مبررات كافية. 

وبين منطق الدولة وضجيج المزايدات والادعاءات ، تظل الحكمة تقتضي ِأن تُدار السياسات وفق تقدير دقيق للمخاطر، لا وفق إيقاع الشعارات والمبالغات .

google-playkhamsatmostaqltradent