الدكتور الشربيني جامعة دمياط: من منصة العلم إلى مشرط القانون.. رؤية تشريعية رائدة لوقف اغتراب العقول في الجامعات
بقلم أ.د. السيد الشربيني
جامعة دمياط والمسؤول عن أخبار الجامعات المصرية
تشبه الجامعة في كيانها المنارة البحرية الشاهقة؛ صخرة عملاقة تنتصب بكبرياء وسط أمواج المجهول وظلمات الجهل، لتقذف بشعاع النور في عقول الأجيال، وتصنع للأمة قادتها، وعلمائها، ومهندسي مستقبلها الحضاري.
وفي قلب هذه المنارة الراسخة، يقف الأستاذ الجامعي كالكاهن الأكبر في محراب المعرفة، أو كفتيل الشمعة الذي يفنى ويحترق ببطء وألم، ليضيء طريق ملايين السفن العابرة نحو النجاح.
إن مكانة عضو هيئة التدريس في ضمير المجتمع ليست مجرد وظيفة تقاس بساعات العمل، بل هي رسالة شبه مقدسة تتسم بالسمو، وتتجلى فيها أسمى معاني الأناقة والشموخ الأكاديمي.
لكن هذا الشموخ يسير جنبا إلى جنب مع ملحمة كفاح صامتة ومريرة؛ فبينما ينطلق أقران الباحث في عشرينيات العمر لبناء ثرواتهم في ميادين التجارة والوظائف، ينعزل هو داخل صوامع المكتبات والمعامل، يطحن زهرة شبابه وصحته بين الماجستير والدكتوراه، صاعدا هرم العلم درجة تلو أخرى بعزة نفس تعففت عن المكاسب المادية السريعة.
وعندما يصل الأستاذ بعد عقود من السهر والنشر الدولي الشاق إلى قمة مكانته، كقامة علمية تنمحي عند أعتابها الفوارق، يستفيق على صدمة عمرية قاتلة؛ لقد تسرب العمر من بين يديه داخل أسوار الحرم الجامعي، وتحولت تلك العزة إلى غصة في الحلق، بعدما بات الراتب الحكومي هشا لا يفي بحياة كريمة، ليصبح عقل الأمة محاصرا بين جلال الرسالة وانكسار الواقع المالي المأزوم!
لم تعد الأزمة مجرد ضيق مالي عابر، بل تحولت إلى طاحونة ضغوط هيكلية تتجلى عوراتها في مظاهر صارخة:
1- التمويل الذاتي للبحوث والضغط على ميزانية الأسرة الأكاديمية: الأستاذ مطالب بتقديم أبحاث مبتكرة لرفع تصنيف جامعته دوليا، لكنه ينفق على الأبحاث، ورسوم النشر في المجلات العالمية من ميزانيته الأسرية الخاصة، دون دعم حقيقي.
2- طوفان الكثافة العددية والأعباء المستحدثة خارج الأطر القانونية: تحول الأستاذ من باحث ومفكر يلهم طلابه، إلى آلة تلقين ومراقبة وتصحيح لآلاف الأوراق الامتحانية الروتينية، نتيجة التكدس الضخم في القاعات الدراسية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل جرى إغراق عضو هيئة التدريس في طوفان من "الواجبات والمهام الإدارية المستحدثة" مثل إعداد ملفات الجودة المعقدة والمكرره سنويا، واستيفاء الاستبيانات الورقية والإلكترونية النمطية، والقيام بأعباء روتينية مستجدة ليس لها أي أساس في قانون تنظيم الجامعات، ولا تسهم في تطوير البحث العلمي أو الارتقاء بالمنظومة التعليمية، بل تستهلك طاقته الذهنية والبدنية وتستنزف وقته المخصص للابتكار والإنتاج المعرفي.
3- الطبقية الأكاديمية الصارخة: انشطر الحرم الجامعي إلى فئتين؛ فئة محدودة جدا تستأثر بالمناصب الإدارية الكبرى أو البرامج المعتمدة أو الجامعات الأهلية والدولية فتتقاضى دخولا مرتفعة، وأغلبية ساحقة من علماء الكليات النظرية والجامعات الإقليمية يقبعون تحت خط الكفاية المالية.
4- شبح المعاش المرعب: عندما يبلغ العالم سن الستين، يعاقب على علمه! إذ يهوي راتبه الإجمالي بنسبة تتجاوز 70%، لأن المعاش يحسب على "الأجر الأساسي المشلول" القادم من جداول تعود لعام 1983، مما يعني شيخوخة مليئة بالعوز والاضطرار للبحث عن عمل هامشي.
إن ترك هذه "الشمعة" لتحترق حتى النهاية دون مدها بوقود مالي عادل، هو بمثابة إطفاء المنارة بيد المسؤول ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه، نطرح رؤية شاملة لحلول سريعة لا تحتمل الإرجاء:
اولا: المقص العادل (تقريب الفوارق): استقطاع نسبة تقاصية فورية من موارد الصناديق الذاتية والبرامج الدولية لصالح دعم دخول الأساتذة في الكليات النظرية والتطبيقية، لإذابة الفوارق الطبقية داخل الجامعة الواحدة.
ثانياً: حافز العالمية الدوري: تحويل مكافآت النشر الدولي العابرة إلى (حافز مالي شهري ثابت) يضاف للراتب لكل من ينشر في الدوريات المعروفة عالميا (Q1 و Q2)، لتحفيز الجميع نحو التميز.
ثالثاً: الإعفاء الضريبي المعرفي: إعفاء بدلات التفرغ العلمي وبدلات الجودة من مظلة الضرائب، مما يرفع القوة الشرائية للأستاذ دون تحميل الميزانية العامة للدولة سيولة نقدية جديدة مباشرة.
وذلك من خلال صياغة تعديلية ونماذج تمكين تشريعي مقترح لتطوير التعليم الجامعي لأن أمن مصر المعرفي هو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي:المذكرة الإيضاحية المقترحة
"يعاني الهيكل المالي لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية من تكلس تشريعي حاد؛ إذ لا تزال الجداول الرسمية للأجور محكومة بنصوص وضعت عام 1972 وعدلت عام 1983، مما جعل الأجر الأساسي للأستاذ الجامعي يتراوح بين أرقام رمزية شهريا هذا التشوه دفع بالمنظومة للاعتماد على بدلات متغيرة تشكل 80% من الدخل، مما فتح الباب لظاهرة 'نزيف العقول' نحو الجامعات الخاصة وخارج البلاد إن هذا المشروع المقترح يستهدف دمج البدلات في أجر أساسي محترم يربط بالتضخم، وتأمين معاش كريم يصون كرامة أعضاء هيئة التدريس."والمواد المقترحة هى:
مادة (1): "إعادة هيكلة الأجر الأساسي وربطه بالتضخم" تدمج كافة البدلات والمكافآت الممنوحة لأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بموجب القوانين والقرارات السابقة وعلى الأخص (بدل الجودة، بدل الجامعة، وحوافز التفرغ) ضمن الأجر الأساسي، ليشكلا معا كتلة نقدية ثابتة تمثل (الأجر الأساسي الموحد) ولا يجوز أن يقل الحد الأدنى لهذا الأجر لدرجة (المعيد) عن ثلاثة أمثال الحد الأدنى العام للأجور في الدولة، وتتدرج صعودا بحسب الدرجة العلمية. ويلزم بتعديل هذا الأجر تلقائيا في الأول من يوليو من كل عام، بنسبة مئوية تعادل معدل التضخم السنوي المعلن من البنك المركزي المصري.
مادة (2): ربط التمويل بالناتج البحثي والتنموي تلتزم الجامعات بتخصيص نسبة 15% من إجمالي إيرادات الصناديق الخاصة وبرامج الساعات المعتمدة، لصالح (صندوق دعم البحث العلمي وتحسين الأجور) بالمجلس الأعلى للجامعات. ويصرف من هذا الصندوق حافز مالي شهري تحت مسمى (حافز التميز المعرفي) للأساتذة الذين يقومون بالنشر الدولي في المجلات المعيارية (Q1 و Q2) كما يعفى عضو هيئة التدريس الذي يقدم براءة اختراع تطبق في قطاعات الدولة الإنتاجية من الضريبة على الدخل لمدة خمس سنوات، مع منحه نسبة لا تقل عن 30% من عوائد تشغيل ابتكاره.
مادة (3): تأمين معاش العلماء وصون كرامتهم استثناء من أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، يسوى معاش عضو هيئة التدريس ومعاونيه عند بلوغ سن التقاعد، أو في حالة الوفاة أو العجز الكلي، على أساس (80% من إجمالي آخر راتب شهري شامل كافة البدلات) كان يتقاضاه العضو وهو على رأس العمل، وتتحمل الخزانة العامة للدولة الفروق المالية الناتجة عن ذلك.
مادة (4): مستحدثة - نظام العقود المرنة لمنع هجرة العقول وتفعل مادة جديدة برقم (120 مكرر) لقانون تنظيم الجامعات، نصها: يجوز لمجالس الجامعات الحكومية إبرام عقود مالية مرنة خاصة تقر رواتب استثنائية تنافس المعايير الدولية والخاصة، مع العلماء المميزين من أعضاء هيئة التدريس (أصحاب النشر الدولي الكثيف أو التخصصات النادرة)، وتمول هذه العقود ذاتيا، وذلك لمنع نزيف الكفاءات إلى الخارج.
إن إصلاح أجور أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية ليس مطلبا فئويا، ولا رفاهية تقبل المساومة؛ بل هو خط الدفاع الأخير عن عقل الأمة ومستقبلها الحضاري. فإذا تركت المنارة لتنطفئ، لن نجد غدا من يقود مصانعنا، أو يداوي مرضانا، أو يصنع عقول أبنائنا.
