الفيتو يشل مجلس الأمن ويهدد العدالة الدولية
بقلم: عبدالحفيظ على الشناوي
بات حق النقض، المعروف بالفيتو، واحداً من أكثر القضايا إثارة للجدل في النظام الدولي المعاصر، حيث تحول من أداة صُممت لضمان التوازن بين القوى الكبرى إلى عائق حقيقي أمام تحقيق العدالة الدولية وحماية الأمن والسلم العالميين. فمن يتابع مسار القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي على مدار عقود، يدرك بوضوح أن نسبة كبيرة منها قد تعطلت أو أُفرغت من مضمونها بفعل الاستخدام السلبي لهذا الحق، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على مصداقية المجلس وفعاليته.
لقد أُنشئ مجلس الأمن ليكون الذراع التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة، والمسؤول الأول عن حفظ السلم والأمن الدوليين، غير أن الواقع العملي كشف عن اختلالات بنيوية عميقة، في مقدمتها احتكار خمس دول دائمة العضوية لحق النقض، ما منحها قدرة شبه مطلقة على تعطيل أي قرار لا يتوافق مع مصالحها، حتى وإن كان هذا القرار يعبر عن إرادة أغلبية المجتمع الدولي. وهنا يكمن التناقض الصارخ بين المبادئ المعلنة للعدالة الدولية والممارسة الفعلية التي تحكمها اعتبارات القوة والنفوذ.
إن الاستخدام المتكرر للفيتو لم يكن مجرد إجراء قانوني داخل أروقة مجلس الأمن، بل كان سبباً مباشراً في إجهاض حلول لأزمات إنسانية وسياسية معقدة، وأدى إلى استمرار نزاعات دامية كان من الممكن احتواؤها لو توفرت الإرادة الدولية الحقيقية. كما ترتب عليه ضياع حقوق دول وشعوب، كانت تتطلع إلى قرارات حاسمة تنصفها وتضع حداً لمعاناتها.
ولعل الأخطر من ذلك أن هذا الاستخدام أضعف من هيبة مجلس الأمن، وأفقده القدرة على فرض قراراته أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الدولي، فتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع دبلوماسي تعكس مصالح القوى الكبرى أكثر مما تعبر عن ضمير المجتمع الدولي. ومع تكرار هذا المشهد، بدأت الثقة في فعالية المنظمة الدولية تتآكل، وتنامى شعور واسع بالإحباط لدى الدول الصغيرة والمتوسطة، التي تجد نفسها عاجزة عن حماية مصالحها في ظل هذا النظام المختل.
إن فكرة العدالة الدولية لا يمكن أن تستقيم في ظل آلية تسمح لدولة واحدة بإجهاض إرادة العالم بأسره، ولا يمكن الحديث عن نظام دولي قائم على القانون في وجود أداة تُستخدم لفرض الهيمنة السياسية. ومن هنا، أصبح من الضروري إعادة النظر بشكل جاد في هذا الامتياز الاستثنائي، الذي لم يعد يتناسب مع طبيعة النظام الدولي المعاصر، ولا مع تطلعات الشعوب نحو نظام أكثر عدلاً وإنصافاً.
لقد تغير العالم بشكل جذري منذ تأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، ولم تعد موازين القوى كما كانت، كما برزت قوى جديدة وأصبح المجتمع الدولي أكثر تنوعاً وتشابكاً. ومع ذلك، ظل هيكل مجلس الأمن جامداً، يحتفظ بنفس الآليات التي صُممت لمرحلة تاريخية مختلفة تماماً. وهذا الجمود هو أحد أبرز أسباب العجز الذي تعانيه المنظمة اليوم.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح شامل لميثاق الأمم المتحدة، يتضمن إعادة تقييم حق النقض، سواء بإلغائه بشكل كامل أو على الأقل تقنين استخدامه ووضع ضوابط صارمة تحول دون إساءة استغلاله. فالإبقاء على الوضع الحالي يعني استمرار الشلل في مواجهة الأزمات الدولية، ويعني أيضاً تكريس منطق القوة على حساب القانون.
إن إصلاح مجلس الأمن لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلباً مثالياً أو طموحاً بعيد المنال، بل هو ضرورة حتمية لضمان بقاء النظام الدولي واستمراريته. فالعالم اليوم يواجه تحديات غير مسبوقة، من نزاعات مسلحة إلى تهديدات إرهابية وأزمات إنسانية متفاقمة، ولا يمكن التصدي لهذه التحديات بآليات تقليدية أثبتت قصورها.
كما أن تطوير الأمم المتحدة سيمنحها القدرة على استعادة دورها الحقيقي كمنصة دولية لحل النزاعات وتحقيق التوازن بين الدول، بدلاً من أن تظل رهينة لمصالح ضيقة. وسيعزز ذلك من ثقة الشعوب في النظام الدولي، ويعيد الأمل في إمكانية تحقيق العدالة بعيداً عن ازدواجية المعايير.
غير أن هذا الإصلاح لن يتحقق إلا إذا توافرت إرادة جماعية حقيقية لدى المجتمع الدولي، تقوم على إدراك مشترك بخطورة استمرار الوضع الراهن. فالدول، خاصة تلك التي عانت من تداعيات الفيتو، مطالبة بأن تتكاتف وتضغط من أجل إحداث تغيير جذري في بنية المجلس، وأن ترفع صوتها عالياً دفاعاً عن حقها في نظام دولي أكثر توازناً.
وفي المقابل، فإن القوى الكبرى مطالبة أيضاً بإعادة النظر في مواقفها، وأن تدرك أن الحفاظ على نفوذها لا ينبغي أن يكون على حساب استقرار العالم. فاستمرار استخدام الفيتو بشكل تعسفي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى، وسيقوض النظام الذي تستفيد منه هذه الدول نفسها.
إن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن يختار طريق الإصلاح والتطوير، وإما أن يستمر في الدوران داخل دائرة مفرغة من الأزمات والصراعات. ولا شك أن الخيار الأول يتطلب شجاعة سياسية ورؤية بعيدة المدى، لكنه وحده الكفيل ببناء نظام دولي أكثر عدلاً واستقراراً.
وفي ظل ما نشهده من تدخلات في شؤون الدول وانتهاكات لسيادتها دون رادع حقيقي، يصبح الحديث عن إصلاح الأمم المتحدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فغياب العدالة الدولية لا يهدد فقط الدول الضعيفة، بل يهدد النظام العالمي بأسره، ويفتح الباب أمام عودة منطق الغاب، حيث تفرض القوة كلمتها دون اعتبار للقانون أو القيم الإنسانية.
إن الأمل لا يزال قائماً، لكنه مرهون بمدى قدرة المجتمع الدولي على التحرك بجدية نحو التغيير. فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي لا تتطور تفقد قدرتها على الاستمرار، وأن العدالة، مهما طال غيابها، تظل هدفاً تسعى إليه الشعوب.
ويبقى السؤال المطروح بقوة: هل يمتلك العالم الإرادة الكافية لإعادة صياغة نظامه الدولي بما يحقق التوازن والعدالة، أم أننا سنظل أسرى لآليات عفا عليها الزمن؟ بين الحلم والواقع، تقف إرادة الدول كعامل حاسم، فإما أن تنتصر لحق الشعوب في العدالة، أو تترك العالم ينزلق مجدداً إلى فوضى لا تحمد عقباها.
