رؤية الأبناء ليست اشتراكًا شهريًا والنفقة لا تشتري الأبوة
بقلم: حسن سليم
ربط رؤية الأبناء بدفع النفقة فكرة تختزل العلاقة الإنسانية في معادلة مالية جافة، وتحول حقًا أصيلًا للطفل إلى ما يشبه الاشتراك الشهري الذي يمكن إيقافه أو تفعيله وفق القدرة على السداد. هذا الطرح، مهما بدا للبعض وسيلة ضغط لضمان الالتزام، يحمل في جوهره خللًا عميقًا، لأنه ينقل الخلاف من دائرة المسؤولية المشتركة إلى ساحة المقايضة، ويضع الطفل في قلب معادلة لا يجب أن يكون طرفًا فيها من الأساس.
العلاقة بين الأب وأبنائه ليست بندًا في فاتورة، ولا خدمة يتم تقديمها مقابل مبلغ محدد. إنها رابطة وجدانية ونفسية وتربوية، تتجاوز الحسابات المالية، وتمتد جذورها إلى الإحساس بالانتماء والأمان، وحين نربط هذه العلاقة بدفع النفقة، فإننا نبعث برسالة غير مباشرة مفادها أن القرب العاطفي يمكن شراؤه، وأن الحضور الأبوي مرهون بالقدرة المادية، وهو تصور يحمل قدرًا كبيرًا من القسوة والاختزال.
من الناحية العملية، هذا الربط يفتح أبوابًا جديدة للنزاع، فبدلًا من أن يكون هناك مساران منفصلان، مسار للنفقة تنظمه القوانين والإجراءات، ومسار للرؤية يضمن للطفل حقه في التواصل مع والديه، يتم دمج المسارين في عقدة واحدة، فإذا تعثر أحدهما تعطل الآخر، وتصبح حياة الطفل رهينة تعقيدات مالية أو إجرائية قد لا يكون له أي ذنب فيها.
تخيل طفلًا ينتظر موعد رؤية والده، لكنه يحرم من هذا اللقاء لأن الأب لم يتمكن من سداد النفقة في موعدها، ربما بسبب أزمة طارئة أو ظرف خارج عن إرادته، في هذه الحالة من الذي يعاقب؟ هل الأب فقط، أم الطفل أيضًا؟ الحقيقة أن الخاسر الأول هو الطفل، الذي يتم حرمانه من لحظة احتياج إنساني لا تعوضها أي أموال.
وفي المقابل، قد يساء استخدام هذا الربط كأداة ضغط أو ابتزاز، حيث تتحول النفقة إلى وسيلة للتحكم في حق الرؤية، أو العكس.. وهنا يفقد القانون توازنه، ويتحول من أداة لتحقيق العدالة إلى ساحة جديدة للصراع، تستنزف فيها الطاقات وتهدر فيها فرص الاستقرار الأسري.
الأخطر من ذلك أن هذا الطرح يرسخ فكرة أن دور الأب يختزل في الإنفاق فقط، بينما الواقع أن الأبوة مسؤولية شاملة، تبدأ من الدعم المادي لكنها لا تنتهي عنده. هناك دور تربوي، ونفسي، ووجداني، لا يمكن تعويضه بأي وسيلة أخرى. الطفل يحتاج إلى وجود الأب في حياته، إلى صوته، ونصحه، واحتوائه، تمامًا كما يحتاج إلى الطعام والملبس والتعليم.
كما أن ربط الرؤية بالنفقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد، حيث قد يشعر الأب بأن علاقته بأبنائه أصبحت مشروطة، فيفقد الحافز النفسي للتواصل، أو يشعر بالاغتراب داخل علاقة كان يفترض أن تكون مصدرًا للدفء والدعم. وفي المقابل، قد ينشأ الطفل وهو يحمل تصورًا مشوهًا عن العلاقة مع والده، يربطها دائمًا بالمال، ويقيسها بميزان العطاء المادي فقط.
من زاوية إنسانية أعمق، فإن الطفل في حالات الانفصال أو الطلاق يكون في أمس الحاجة إلى الاستقرار العاطفي، لأنه يواجه بالفعل تغيرًا كبيرًا في حياته. فإذا أضفنا إلى ذلك حرمانه من أحد والديه بسبب نزاع مالي، فإننا نضاعف من الأثر النفسي السلبي، ونضعه أمام تحديات قد تؤثر على تكوينه النفسي والاجتماعي لسنوات طويلة.
الحلول الحقيقية لا تكمن في خلط الأوراق، بل في تنظيم كل ملف بشكل مستقل وعادل. النفقة يجب أن تحكم بضوابط واضحة تضمن حقوق الطفل، مع آليات فعالة للتنفيذ والمتابعة. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون حق الرؤية مصونًا، لا ينتقص منه إلا في حالات محددة تتعلق بمصلحة الطفل وسلامته، وليس لأي اعتبارات مالية.
يمكن تطوير آليات تنفيذ النفقة بحيث تكون أكثر كفاءة وسرعة، مثل الربط بأنظمة إلكترونية، أو تفعيل دور الجهات المختصة في التحصيل، دون الحاجة إلى استخدام الطفل كوسيلة ضغط. كما يمكن توسيع نطاق بدائل الرؤية، مثل الرؤية الإلكترونية أو تنظيم أوقات مرنة، بما يضمن استمرار التواصل حتى في الظروف الصعبة.
في النهاية، القضية ليست قانونية فقط، بل إنسانية في المقام الأول. نحن نتعامل مع أطفال يحتاجون إلى الحب والرعاية، وليسوا أطرافًا في نزاع مالي. وكل فكرة أو تشريع يجب أن يقاس بمدى قدرته على حماية هذا الاحتياج الأساسي.
ربط رؤية الأبناء بدفع النفقة قد يبدو حلًا سريعًا على الورق، لكنه في الواقع يحمل آثارًا عميقة قد تُفقد العلاقة جوهرها الإنساني. العدالة الحقيقية هي التي توازن بين الحقوق والواجبات دون أن تحول الروابط الإنسانية إلى معاملات حسابية، ودون أن تجعل الطفل يدفع ثمن خلافات لم يخترها.
إن الحفاظ على حق الطفل في رؤية والديه يجب أن يظل مبدأ ثابتًا، لا يخضع للمساومة أو التقييد، لأن بناء إنسان سوي يبدأ من بيئة يشعر فيها بأنه محبوب وغير مشروط، وأن علاقاته الأساسية لا تقاس بالأرقام، بل بالمشاعر الصادقة التي تمنحه الأمان والانتماء.
