recent
عـــــــاجــــل

فخ الوجاهة وزيف المثالية الرقمية

 

فخ الوجاهة وزيف المثالية الرقمية

فخ الوجاهة وزيف المثالية الرقمية


​بقلم: د. خالد البليسي

​تواجه الطبقة المتوسطة اليوم اختباراً هو الأصعب في تاريخها؛ فهي لم تعد تصارع فقط من أجل تدبير لقمة العيش أو توفير تعليم جيد للأبناء، بل أصبحت تخوض معركة "وهمية" مدفوعة بضغط الصور البراقة على شاشات الهواتف. إنها معركة "الصورة الذهنية" التي جعلت من العائلات البسيطة رهينةً لنمط حياة لا يشبهها، ومطالبةً بمحاكاة حياة الأثرياء بجيوبٍ فارغة وقلوبٍ منهكة.

​عبودية "الصورة" في زمن "الإنستغرام"

​في السابق، كانت الطبقة المتوسطة هي حارسة القيم والاعتدال؛ كان الرضا هو السمة السائدة، والمنافسة تنحصر في التفوق الدراسي أو الخلقي. أما اليوم، فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى "واجهة عرض" لا تنطفئ، تفرض على الجميع معايير تعجيزية للجمال، والملبس، والمناسبات.

​أصبح لزاماً على الأسرة المتوسطة أن تقيم "حفل عيد ميلاد" يضاهي حفلات المشاهير، أو تنظم "حفلة زفاف" أسطورية في قاعة باهظة الثمن، وغالباً ما يتم ذلك عبر الاقتراض بفوائد أو تقسيط الديون لسنوات. والمفارقة الحزينة هنا أن كل هذا البذخ ليس من أجل الاستمتاع باللحظة، بل من أجل "اللقطة" التي ستُنشر على المنصات الرقمية لحصد إعجابات عابرة، بينما يظل عبء الدين جاثماً على صدور الأسرة لشهور طويلة.

​مقارنة بين زمنين: من "الستر" إلى "الاستعراض"

​لو عدنا بضع سنوات إلى الوراء، لوجدنا أن "الستر" كان هو القيمة العليا. كانت الحفلات تقام في البيوت أو النوادي البسيطة، يغلفها الدفء والمحبة الصادقة. لم يكن أحد يشعر بالخجل من ثيابه المتكررة، ولم تكن "الماركة" هي من يحدد قيمة الإنسان.

​أما اليوم، فقد تراجعت قيمة "الجوهر" أمام سطوة "المظهر". انقلبت الموازين فأصبحنا نرى من يستدين لشراء هاتف ذكي حديث وهو لا يملك ثمن صيانة سيارته المتهالكة، ومن تقيم حفلة "تجهيز عروس" تكسر فيها كل قواعد المنطق والقدرة المادية، فقط لئلا تبدو "أقل" من جارتها أو صديقتها الافتراضية. لقد تحول المجتمع من "مجتمع إنتاجي" إلى "مجتمع استعراضي" يقتات على الانبهار اللحظي.

​الاستنزاف النفسي والمادي: الضريبة الباهظة

​هذا السعي اللاهث وراء "المثالية الزائفة" خلق حالة من "الاغتراب الطبقي". فالشخص يعيش في مستوى مادي، ويحاول إظهار مستوى آخر تماماً، مما يولد صراعاً نفسياً مستمراً، وشعوراً دائماً بالتقصير والعدمية.

​تآكلت مدخرات الطبقة المتوسطة على مذبح "البرستيج". وبدلاً من استثمار الأموال في تطوير الذات أو تأمين المستقبل، ذهبت الأموال لتزيين "الواجهات". والنتيجة هي مجتمع يرتدي أفضل الثياب، لكنه يغرق في القلق والديون، ويعاني من هشاشة العلاقات التي أصبحت تُقاس بمدى قدرة الطرف الآخر على مشاركتنا "عرض الأضواء".

​كيف نسترد هويتنا المفقودة؟

​إن العودة إلى "رشدنا الاجتماعي" تتطلب شجاعة المواجهة. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف "المكانة الاجتماعية"؛ لتبنى على العطاء، والثقافة، والاستقرار النفسي، لا على عدد الماركات التي نرتديها أو فخامة المكان الذي نرتاده.

​على الطبقة المتوسطة أن تدرك أن "المثالية" التي تراها عبر الشاشات هي في أغلبها "إعلان تجاري" أو "تزييف متعمد"، وأن الحقيقة تكمن في الرضا بما نملك، وفي الستر الذي لا يفضح الجيوب، وفي العيش وفق مقتضيات الواقع لا أوهام الخيال.

​و أخيراً

​إن أجمل ما في الإنسان هو "صدقه" مع نفسه ومع الآخرين. والطبقة المتوسطة كانت دائماً هي العمود الفقري للأمة بوعيها وثقافتها، وليس بمجاراتها لصرعات الاستهلاك المحموم. فلنعد إلى قيم "البساطة الذكية"، ولنكسر قيد "التريند" الذي يستنزف جيوبنا وأعصابنا، ولنتذكر دائماً أن "البيوت السعيدة" هي التي تمتلئ بالحب والقناعة، لا التي تمتلئ بالديون من أجل صورٍ ملونة على شاشات باردة.


google-playkhamsatmostaqltradent