recent
عـــــــاجــــل

مشروع قانون الأسرة للمسيحيين بين حقوق المرأة وحقوق الأب.. أين مصلحة الطفل؟

مشروع قانون الأسرة للمسيحيين بين حقوق المرأة وحقوق الأب.. أين مصلحة الطفل؟

 

مشروع قانون الأسرة للمسيحيين بين حقوق المرأة وحقوق الأب.. أين مصلحة الطفل؟


بقلم: د. بيتر ناجي فوزي

 عضو الهيئة المركزية بالمؤسسة الوطنية للشباب وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع          

مع كل نقاش حول قوانين الأحوال الشخصية، ينقسم المجتمع سريعًا إلى معسكرين؛ أحدهما يتحدث باسم المرأة وحقوقها، والآخر يدافع عن الرجل وحقوقه. لكن وسط هذا الجدل الصاخب، تغيب أحيانًا الحقيقة الأهم: الطرف الأكثر تأثرًا بأي صراع أسري ليس الزوج ولا الزوجة، وإنما الطفل والأسرة نفسها.

ومن هنا، فإن تقييم مشروع قانون الأسرة للمسيحيين لا يجب أن يقوم على فكرة "من انتصر" داخل النصوص القانونية، بل على سؤال أكثر عمقًا وأهمية: هل يحقق القانون عدالة حقيقية تحفظ كرامة الإنسان واستقرار الأسرة بعد الانفصال؟

الحقيقة أن المشروع تضمن محاولات واضحة لتحقيق هذا التوازن، لكنه في الوقت نفسه فتح أبوابًا واسعة للنقاش المجتمعي والقانوني حول طبيعة العلاقة الأسرية بعد الطلاق، وحدود الحقوق والواجبات لكل طرف.

في ملف النفقة، لا يمكن إنكار أن حماية المرأة اقتصاديًا ضرورة حقيقية وليست رفاهية قانونية. فهناك سيدات يجدن أنفسهن بعد الطلاق مسؤولات بالكامل عن تربية الأطفال وتعليمهم وتوفير احتياجاتهم اليومية، بينما تتحول رحلة الحصول على النفقة إلى معركة قضائية طويلة ومؤلمة. ولهذا فإن إلزام القانون بالإفصاح الحقيقي عن دخل الزوج يمثل خطوة مهمة لتحقيق العدالة ومنع التلاعب الذي شهدته محاكم الأسرة لسنوات طويلة.

فالنفقة ليست عقوبة ضد الرجل، وإنما حق يرتبط بحياة الأطفال واستقرارهم ومستقبلهم.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول الأب بعد الطلاق إلى مجرد "ماكينة إنفاق" معزولة عن أبنائها. وهنا تبرز أهمية المواد الخاصة بالرؤية والاستضافة، لأن وجود الأب في حياة أبنائه ليس رفاهية نفسية، بل عنصر أساسي في التوازن الإنساني والتربوي للطفل.

على مدار سنوات طويلة، اشتكى كثير من الآباء من اقتصار علاقتهم بأطفالهم على ساعات محدودة داخل أماكن الرؤية التقليدية، وكأن العلاقة الأبوية تحولت إلى إجراء إداري جاف لا علاقة له بالمشاعر أو التربية أو بناء الشخصية. ومن هنا، فإن تنظيم الاستضافة بصورة أكثر وضوحًا يمثل خطوة مهمة، لكن نجاحها الحقيقي سيعتمد على وجود ضمانات قانونية تمنع إساءة استخدامها من أي طرف، لأن الطفل لا يجب أن يتحول إلى وسيلة ضغط أو انتقام بعد انهيار العلاقة الزوجية.

وفي ملف العنف الأسري، ينبغي أن يكون الموقف واضحًا وحاسمًا. فلا يمكن الحديث عن الحفاظ على الأسرة مع تجاهل حماية المرأة من العنف الجسدي أو النفسي أو الإهانة المستمرة. فاستمرار أي علاقة تقوم على الخوف أو الإيذاء لا يحمي الأسرة، بل يدمرها من الداخل، ويترك آثارًا نفسية عميقة على الأطفال أنفسهم.

المشروع حاول التوسع في مفهوم الضرر النفسي والعنف والإدمان والهجر، وهي خطوة مهمة لأن كثيرًا من النساء كن يعشن داخل زيجات منهارة دون قدرة حقيقية على إثبات ما يتعرضن له. لكن في الوقت نفسه، فإن استخدام مصطلحات واسعة مثل "استحكام النفور" أو "الضرر النفسي" يحتاج إلى ضوابط قضائية دقيقة، حتى لا تتحول النصوص إلى سلاح متبادل داخل النزاعات الأسرية.

ومن أخطر ما تواجهه الأسرة المصرية اليوم أن بعض حالات الطلاق تتحول إلى حرب مفتوحة يُستخدم فيها الأطفال كورقة ضغط بين الطرفين. هنا يفقد الطفل شعوره بالأمان، ويتحول الانفصال من نهاية علاقة زوجية إلى بداية أزمة نفسية طويلة.

ولهذا، فإن أي قانون ناجح يجب أن يضع مصلحة الطفل فوق رغبة الانتقام أو كسب المعركة القضائية. فلا الأب يجب أن يُحرم من أطفاله، ولا الأم يجب أن تعيش تحت تهديد مستمر، ولا الطفل يجب أن يدفع ثمن فشل الكبار في الحفاظ على العلاقة.

المجتمع لا يحتاج إلى قانون ينتصر للرجل ضد المرأة، أو للمرأة ضد الرجل. المجتمع يحتاج إلى قانون يحافظ على العدالة الإنسانية عندما تفشل الحياة الزوجية في الاستمرار.

ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لأي تشريع للأحوال الشخصية لا تُقاس بعدد المواد أو شدة العقوبات، بل بقدرته على حماية الأسرة من التحول إلى ساحة صراع دائمة، وحماية الطفل من أن يصبح الضحية الصامتة في معركة لا تخصه.

ورغم ما يتضمنه المشروع من نقاط إيجابية ومحاولات لتحقيق التوازن، فإن هناك أيضًا الكثير من الانتقادات والملاحظات المثارة حول بعض المواد والتفاصيل القانونية، وهي قضايا تستحق نقاشًا أوسع وأكثر عمقًا، وسيتم تناولها في مقالات لاحقة بشكل تفصيلي.

ويبقى السؤال الأهم: كيف يرى القارئ هذا المشروع؟ وهل يحقق بالفعل العدالة المطلوبة بين جميع الأطراف، أم أن هناك جوانب ما زالت تحتاج إلى مراجعة؟ الرأي المجتمعي في مثل هذه القوانين يظل عنصرًا أساسيًا في الوصول إلى تشريع أكثر توازنًا وإنسانية.


google-playkhamsatmostaqltradent