recent
عـــــــاجــــل

بين الحزم والفوضى شعرة.. قراءة في الواقع التربوي والتعليمي المصري

 

بين الحزم والفوضى شعرة.. قراءة في الواقع التربوي والتعليمي المصري

بين الحزم والفوضى شعرة.. قراءة في الواقع التربوي والتعليمي المصري


بقلم: أ. د. عيد عبد الواحد

عميد كليتي التربية والتربية للطفولة ورئيس الجهاز التنفيذي للهيئة العامة لمحو الامية وتعليم الكبار بمصر سابقا


تعد قضية الحزم التربوي من القضايا المحورية التي شغلت الفكر التربوي قديمًا وحديثًا، ليس باعتبارها مسألة إدارية أو تنظيمية فحسب، وإنما بوصفها ركيزة أساسية من ركائز بناء الإنسان وصياغة الشخصية القادرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع ومتغيراته المتسارعة، وإذا كانت المجتمعات المعاصرة قد دخلت عصرًا تتزاحم فيه المعارف وتتسارع فيه التحولات العلمية والتكنولوجية، فإن الحاجة إلى ترسيخ قيم الانضباط والالتزام أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لأن التنمية الحقيقية لا تقوم على المعرفة وحدها، بل على القدرة على توظيفها في إطار من المسؤولية والوعي والنظام.


ومن هنا فإن الحديث عن الحزم في المؤسسات التعليمية لا ينبغي أن يفهم باعتباره دعوة إلى التشدد أو التضييق أو فرض القيود على المتعلمين، وإنما باعتباره ضرورة تربوية وأخلاقية ومجتمعية تضمن حسن سير العملية التعليمية، وتحافظ على حقوق جميع أطرافها، وتوفر المناخ الملائم لتحقيق أهداف التعليم في أبعادها المعرفية والوجدانية والمهارية.


لقد أثبتت التجارب التربوية عبر التاريخ أن المؤسسات التي تمتلك نظمًا واضحة وقواعد مستقرة وآليات متابعة دقيقة تكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافها مقارنة بالمؤسسات التي تسودها العشوائية أو التراخي أو غياب المساءلة، فالحزم ليس مجرد مجموعة من الإجراءات التنظيمية، بل هو ثقافة مؤسسية تعكس احترام الوقت، وتقدير المسؤولية، والإيمان بقيمة العمل الجاد.


وعندما نتأمل فلسفات التربية الحديثة نجد أن معظمها، على اختلاف منطلقاتها الفكرية، تؤكد أهمية الانضباط باعتباره شرطًا ضروريًا للتعلم الفعال، فالفصل الدراسي لا يمكن أن يتحول إلى بيئة منتجة للمعرفة إذا كان يفتقر إلى النظام، كما أن المعلم لا يستطيع أداء رسالته على الوجه الأكمل إذا كان منشغلًا طوال الوقت بضبط السلوكيات العشوائية ومعالجة مظاهر الفوضى التي تستنزف جهده وتبدد طاقة المتعلمين.


والحقيقة أن الحزم التربوي لا ينفصل عن مفهوم العدالة، فكلما كانت القواعد واضحة ومعلنة ومطبقة على الجميع دون استثناء، زادت ثقة المتعلمين في المؤسسة التعليمية وتعزز شعورهم بالانتماء إليها، أما حين تتعدد المعايير أو تتفاوت أساليب التطبيق أو تتغلب الاعتبارات الشخصية على القواعد المؤسسية، فإن ذلك يفتح الباب أمام الفوضى ويضعف هيبة النظام التعليمي ويهدر قيم المساواة وتكافؤ الفرص.


إن المدرسة ليست مكانًا لتلقي المعلومات فحسب، بل هي مؤسسة اجتماعية ووطنية معنية بإعداد المواطن الصالح، ومن ثم فإن ما يتعلمه الطالب من احترام للقواعد والالتزام بالواجبات والحرص على أداء المسؤوليات لا يقل أهمية عما يتعلمه من علوم ومعارف، فالتعليم في جوهره عملية بناء متكاملة للإنسان، والحزم يمثل أحد أهم الأدوات التي تضمن نجاح هذا البناء.


وقد أدركت الدول التي حققت نهضات تعليمية كبرى أن الانضباط ليس تفصيلًا هامشيًا في العملية التعليمية، وإنما عنصر حاكم لنجاحها، فالأنظمة التعليمية المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه من جودة وتميز بسبب وفرة الموارد وحدها، بل لأنها استطاعت أن تخلق ثقافة عامة تقدس قيمة الالتزام وتحترم الوقت وتربط بين الحقوق والواجبات.


وفي السياق المصري، لا يمكن إنكار أن قضية الانضباط المدرسي والجامعي ظلت على مدار عقود إحدى القضايا المؤثرة في جودة التعليم ومخرجاته، فكلما ارتفعت معدلات الانتظام داخل المؤسسات التعليمية انعكس ذلك بصورة إيجابية على مستويات التحصيل والإنجاز، وكلما تراجعت درجات الالتزام ظهرت مشكلات متعددة أثرت في كفاءة العملية التعليمية وفاعليتها.


ومن أبرز صور الحزم الإيجابي داخل المؤسسات التعليمية الالتزام بالحضور والانتظام الدراسي، فالطالب الذي يعتاد الحضور المنتظم يكتسب تدريجيًا قيم الجدية والمواظبة وتحمل المسؤولية، بينما يؤدي التساهل مع الغياب المتكرر إلى إضعاف ارتباطه بالمؤسسة التعليمية وتقليل فرص استفادته من الخبرات التعليمية المباشرة.


ولا يقتصر أثر الانضباط على الطلاب وحدهم، بل يمتد ليشمل جميع عناصر المنظومة التعليمية، فالمعلم المنضبط في مواعيده وأدائه يمثل نموذجًا عمليًا يحتذي به المتعلمون. والإدارة المدرسية أو الجامعية التي تمارس الحزم الرشيد في متابعة العمل وتقييم الأداء تخلق بيئة يسودها الاحترام والالتزام وتقل فيها مظاهر الإهمال والتراخي.


وتبرز أهمية الحزم بصورة أوضح في منظومة التقويم والامتحانات، فالامتحان ليس مجرد أداة لقياس التحصيل الدراسي، بل هو تعبير عن منظومة قيمية متكاملة تقوم على النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، وعندما يتم التصدي بحزم لممارسات الغش أو التحايل أو الإخلال بقواعد الامتحانات، فإن المؤسسة التعليمية لا تدافع فقط عن سلامة النتائج، بل تدافع عن قيمة أخلاقية كبرى تتمثل في استحقاق النجاح على أساس الجهد والكفاءة.


وقد شهدت السنوات الأخيرة في مصر جهودًا ملموسة لتعزيز نزاهة الامتحانات من خلال تطوير إجراءات التأمين والرقابة وتحديث الوسائل التقنية المستخدمة في إدارة الاختبارات. وتمثل هذه الجهود خطوة مهمة في ترسيخ ثقافة الجدارة والاستحقاق، وهي ثقافة لا يمكن أن تزدهر إلا في ظل الحزم المؤسسي والالتزام الصارم بالقواعد المنظمة للعملية التعليمية.


وفي المقابل، فإن الفوضى تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات التربوية، فالفوضى لا تعني فقط غياب النظام الظاهر، وإنما تعني أيضًا اضطراب الرؤية وتداخل الأدوار وضعف المتابعة وغياب المساءلة، وعندما تتسلل هذه المظاهر إلى البيئة التعليمية فإن آثارها لا تتوقف عند حدود المؤسسة، بل تمتد إلى المجتمع بأسره.


إن الفوضى داخل الفصل الدراسي تؤدي إلى إهدار الوقت التعليمي وتقليص فرص التعلم الحقيقي، كما أنها تضعف قدرة المعلم على إدارة الموقف التعليمي وتؤثر سلبًا في مستوى التركيز والانتباه لدى الطلاب، ومع مرور الوقت تتحول هذه الممارسات إلى ثقافة سلبية يصعب معالجتها إذا لم يتم التعامل معها مبكرًا بحكمة وحزم.


كما أن الفوضى الإدارية تمثل عائقًا كبيرًا أمام تحقيق أهداف المؤسسات التعليمية، فضعف التخطيط، وعدم وضوح المسؤوليات، وتضارب الاختصاصات، وغياب المتابعة المستمرة، كلها عوامل تؤدي إلى هدر الموارد البشرية والمادية وتحد من قدرة المؤسسة على تحقيق رسالتها.


ولعل من أخطر أشكال الفوضى التربوية تلك التي تتعلق بغياب الرؤية التعليمية الواضحة، فعندما يتحول التعليم إلى مجرد سباق للحصول على الدرجات أو الشهادات، وتغيب الأهداف المرتبطة ببناء الشخصية وتنمية التفكير والإبداع، فإن العملية التعليمية تفقد جزءًا كبيرًا من معناها الحقيقي.


إن التعليم الناجح لا يقاس بعدد المناهج أو حجم المعلومات المقدمة للمتعلمين، وإنما يقاس بقدرته على إعداد أفراد يمتلكون مهارات التفكير الناقد، والقدرة على حل المشكلات، والاستعداد للتعلم المستمر، والالتزام بالقيم الأخلاقية والوطنية، وهذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق في بيئة يسودها الاضطراب أو تغيب عنها ثقافة الانضباط.


غير أن الحزم المطلوب في المؤسسات التعليمية ليس حزمًا جامدًا أو ميكانيكيًا، وإنما هو حزم واعٍ يستند إلى الفهم العميق لطبيعة العملية التربوية، فالتربية ليست إدارة للأنظمة فقط، بل هي تعامل مع بشر تختلف قدراتهم واحتياجاتهم وظروفهم. ولذلك فإن الحزم الناجح هو الذي يجمع بين الثبات والمرونة، وبين الالتزام بالقواعد ومراعاة الفروق الفردية.


فالقيادة التربوية الفاعلة هي التي تستطيع تحقيق هذا التوازن الدقيق، فهي لا تسمح بالتسيب الذي يهدد النظام، ولا تلجأ إلى التشدد الذي يخنق المبادرة والإبداع. وإنما تسعى إلى بناء بيئة تعليمية يشعر فيها الجميع بالاحترام والعدالة والانتماء والمسؤولية.


وقد أثبتت الخبرات التربوية أن الطلاب أكثر استجابة للأنظمة عندما يدركون أهدافها ويشعرون بعدالتها، فالحزم الذي يقوم على الإقناع والتوعية يكون أكثر تأثيرًا واستدامة من الحزم القائم على التخويف أو العقاب وحده، ومن هنا تبرز أهمية الحوار التربوي وتعزيز ثقافة المشاركة في بناء الالتزام الذاتي لدى المتعلمين.


وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها التعليم المصري اليوم، من تطوير للمناهج، وتحديث لأساليب التدريس، وتوسع في توظيف التكنولوجيا، وإعادة بناء نظم التقويم، تصبح الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الحزم الواعي أكثر أهمية من أي وقت مضى، فكل مشروعات التطوير، مهما بلغت درجة جودتها، تحتاج إلى بيئة مؤسسية منضبطة تضمن حسن التنفيذ والاستمرارية وتحقيق الأهداف المرجوة.


إن بناء الإنسان المصري القادر على المنافسة في عالم المعرفة يتطلب منظومة تعليمية تجمع بين الجودة والانضباط، وبين الإبداع والمسؤولية، وبين الحرية والالتزام، فلا حرية حقيقية في ظل الفوضى، ولا إبداع مستدامًا في غياب النظام، ولا تقدمًا يمكن الحفاظ عليه دون احترام للقواعد والقيم المؤسسية.


فالحزم ليس نقيضًا للرحمة، بل هو أحد تجلياتها العميقة، فالمربي الحازم إنما يسعى إلى حماية المتعلم من الفشل، وإعداده لمواجهة متطلبات الحياة، وتعليمه أن النجاح لا يتحقق بالرغبات وحدها، وإنما بالعمل المنظم والجهد المستمر والالتزام المسؤول، ومن ثم فإن مستقبل التعليم، في مصر وفي غيرها من الدول، سيظل مرهونًا بقدرة المؤسسات التربوية على ترسيخ ثقافة الحزم الرشيد بوصفها مدخلًا أساسيًا لبناء الإنسان وصناعة النهضة وتحقيق التنمية المستدامة.


google-playkhamsatmostaqltradent