recent
عـــــــاجــــل

الكتاتيب مدارس صنعت العلماء وحفظت هوية المجتمع.. الشيخ جاد حسن جاد نموذج خالد في خدمة القرآن

الكتاتيب مدارس صنعت العلماء وحفظت هوية المجتمع.. الشيخ جاد حسن جاد نموذج خالد في خدمة القرآن


الكتاتيب مدارس صنعت العلماء وحفظت هوية المجتمع.. الشيخ جاد حسن جاد نموذج خالد في خدمة القرآن


 بقلم: محمد الطويل

في صفحات التاريخ المصري، تظل الكتاتيب واحدة من أهم المؤسسات التعليمية التي أسهمت في تشكيل وجدان المجتمع وصناعة أجيال حملت العلم والأخلاق والإيمان. فمن بين جدرانها البسيطة خرج كبار العلماء والفقهاء والأدباء، وتلقى فيها آلاف الأطفال أولى خطواتهم نحو المعرفة، قبل أن ينتقل بعضهم إلى الأزهر الشريف أو إلى ميادين العمل المختلفة، حاملين معهم ما غرسه الكُتاب في نفوسهم من قيم راسخة.


ويعود تاريخ ظهور الكتاتيب إلى العصر الأموي، واستمرت تؤدي رسالتها التعليمية والتربوية عبر قرون طويلة، حتى بدايات القرن الحادي والعشرين. ولم تكن الكتاتيب مجرد أماكن لتحفيظ القرآن الكريم، بل كانت مدارس متكاملة لتعليم مبادئ القراءة والكتابة، وغرس الأخلاق الحميدة، وترسيخ القيم الدينية والوطنية في نفوس النشء.


وكان اللافت أن هذه الكتاتيب لم تقتصر على أبناء المسلمين فقط، بل كان كثير من الأسر المسيحية يحرصون على إلحاق أبنائهم بها، للاستفادة من التعليم الأساسي الذي كانت تقدمه، قبل الانتقال إلى المدارس النظامية، وهو ما يعكس مكانة الكُتاب في المجتمع المصري باعتباره مؤسسة تعليمية وثقافية تحظى بثقة الجميع.


وكان "الفقيه" أو "الشيخ" يمثل حجر الأساس في منظومة الكُتاب، حيث يتولى تعليم الأطفال داخل المسجد أو الزاوية أو السبيل أو بجوار أحد الأحواض العامة، ويقوم بتحفيظهم القرآن الكريم، وتعليمهم القراءة والكتابة، إلى جانب ترسيخ مبادئ الصلاة والأخلاق والقيم النبيلة. وكان الأهالي يحرصون على دعم الفقيه، فيقدم المقتدرون منهم مبلغًا شهريًا نظير تعليم أبنائهم، بينما كانت هيئة الأوقاف توفر له احتياجاته الأساسية.


وبعد انتهاء الطالب من مرحلة الكُتاب، يكون قد أتم حفظ القرآن الكريم، وتعلم أصول الدين واللغة والأخلاق، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة من حياته، فمنهم من يلتحق بالأزهر الشريف لاستكمال دراسته الدينية، ومنهم من يتجه إلى العمل أو يتعلم حرفة والده، ليصبح فردًا صالحًا ومنتجًا في المجتمع.


ولعبت الكتاتيب دورًا محوريًا في بناء الشخصية المصرية، إذ جمعت بين التربية والتعليم، وربطت الأجيال بكتاب الله، وأسهمت في تحصينهم ضد الأفكار المنحرفة والعادات السلبية، وهو ما جعلها تترك أثرًا عميقًا في المجتمع، ولا يزال الكثيرون يستحضرون تلك المرحلة باعتبارها من أجمل فترات التعليم التي امتزج فيها العلم بالإيمان.


ومن بين النماذج المضيئة التي خرجت من عباءة الكتاتيب، يبرز اسم الشيخ جاد حسن جاد، الذي ظل رمزًا للإخلاص في خدمة كتاب الله، وأحد أبرز معلمي القرآن الكريم في منطقة منشأة القناطر بمحافظة الجيزة.


ولد الشيخ جاد حسن جاد في قرية بهرمس بمركز منشأة القناطر يوم 15 مايو 1935، ونشأ في أسرة مصرية بسيطة عرفت بالطيبة وحب الخير. ومنذ سنوات عمره الأولى، ارتبط قلبه بالقرآن الكريم، فكرس حياته لتحفيظه للصغار والكبار، مع الحرص على تعليم أحكام التجويد وفهم معاني الآيات، وكان شغوفًا باللغة العربية وأسرارها في القرآن الكريم.


واشتهر الشيخ جاد بين أبناء قريته والقرى المجاورة بتمكنه الكبير من علم التجويد، حتى أطلق عليه كثيرون لقب "ملك المدود"، لما امتلكه من قدرة فريدة على ضبط مخارج الحروف، وإتقان أحكام المدود بما يعكس المعنى الصحيح للآيات الكريمة، إضافة إلى صوته المميز الذي امتزج ببحة مؤثرة كانت تلامس القلوب.


وكان كل من يلتقي الشيخ جاد يلاحظ ابتسامته الدائمة وبشاشته في استقبال الناس، فلم يكن يقتصر دوره على التعليم، بل كان يمنح طلابه الثقة والأمل، ويشجعهم بكلمات صادقة تبقى محفورة في الذاكرة. فإذا تعثر أحدهم في حفظ المتشابهات، بادر إلى قراءتها بصوته العذب، ثم يربت على كتفه قائلًا: "ولا يهمك... مستقبلك مشرق بإذن الكريم، والله يا حبيبي أنت بتفكرني بنفسي وأنا صغير."


وتولى الشيخ جاد إمامة المصلين في عدد من المساجد، من بينها مسجد أبو حشيش، كما أشرف على حلقات تحفيظ القرآن في عدد من الزوايا، وشهد له الجميع بحسن الأداء، ودقة التجويد، وسعة العلم، حتى أصبح مرجعًا لكثير من قراء القرآن الكريم، الذين كانوا يقدرون مكانته العلمية، ويحرصون على الاستفادة من ملاحظاته الدقيقة في تصحيح اللحن الجلي والخفي.


ولم تمنعه سنوات عمره من مواصلة رسالته، فكان يتنقل بين القرى على دراجته البسيطة، ناشرًا العلم والابتسامة، حتى وافته المنية في الخامس عشر من يناير عام 2011، بعد رحلة طويلة أفناها في خدمة القرآن الكريم وتعليم أجيال متعاقبة.


ورغم مرور السنوات على رحيله، لا يزال الشيخ جاد حسن جاد حاضرًا في ذاكرة تلاميذه وكل من عرفه، باعتباره واحدًا من رجال القرآن الذين تركوا أثرًا طيبًا في المجتمع، لتبقى سيرته شاهدًا على الدور العظيم الذي لعبته الكتاتيب في صناعة العلماء والمربين، وغرس القيم الأصيلة التي ساهمت في بناء أجيال حملت العلم والأخلاق والإيمان.


google-playkhamsatmostaqltradent