recent
عـــــــاجــــل

بين العزاء والفرح.. كيف غيّرت السوشيال ميديا قواعد الواجبات الاجتماعية؟

 

بين العزاء والفرح.. كيف غيّرت السوشيال ميديا قواعد الواجبات الاجتماعية؟

بين العزاء والفرح.. كيف غيّرت السوشيال ميديا قواعد الواجبات الاجتماعية؟


بقلم: رانيا خليفة

في زمنٍ لم يعد فيه الخبر ينتظر وصول الجريدة أو اتصال الهاتف، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من تفاصيل حياتنا اليومية، حتى امتد تأثيرها إلى أكثر الجوانب الإنسانية حساسية؛ الأفراح والأحزان. وبين رسالة تهنئة تُرسل بضغطة زر، وتعزية تُكتب في تعليق أو منشور، تغيرت قواعد الواجبات الاجتماعية التي كانت يومًا ما قائمة على الزيارة والمصافحة والمشاركة المباشرة.

في الماضي، كان حضور العزاء أو الفرح دليلًا واضحًا على قوة العلاقات الاجتماعية وعمق الروابط الإنسانية. كانت المسافات تُقطع، والوقت يُخصص، من أجل مشاركة الآخرين لحظاتهم السعيدة أو الوقوف بجوارهم في أوقات الألم. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف المحمول وسيطًا رئيسيًا في أداء كثير من هذه الواجبات، حتى بات البعض يكتفي برسالة قصيرة أو رمز تعبيري يظن أنه أدى ما عليه.

السوشيال ميديا منحت الناس مزايا لا يمكن إنكارها؛ فهي أتاحت التواصل السريع، وسهّلت تقديم التهاني والتعازي للأقارب والأصدقاء في مختلف أنحاء العالم. كما ساهمت في إبقاء العلاقات قائمة رغم البعد الجغرافي وضيق الوقت. لكن في المقابل، أثارت تساؤلات عديدة حول مدى قدرة التواصل الرقمي على تعويض الحضور الإنساني الحقيقي.

ففي مناسبات العزاء تحديدًا، يرى كثيرون أن كلمات المواساة المكتوبة لا تحمل الدفء نفسه الذي تمنحه المصافحة أو الجلوس بجوار أهل المتوفى. وكذلك في الأفراح، قد لا تكون رسالة التهنئة عبر الهاتف معادلة لحضور لحظة الفرح ومشاركة أصحابها مشاعرهم بشكل مباشر.

ومع تزايد الاعتماد على العالم الافتراضي، ظهرت ظواهر جديدة لم تكن مألوفة من قبل؛ فأصبح إعلان الخطوبة أو الزواج أو حتى الوفاة يتم عبر منشور إلكتروني، وأصبحت أعداد الإعجابات والتعليقات تُقاس أحيانًا باعتبارها مؤشرًا على الاهتمام والمشاركة، وهو ما دفع بعض العلاقات الإنسانية إلى مساحة من المجاملة الرقمية التي قد تفتقر إلى الصدق والعمق.

ورغم ذلك، لا يمكن تحميل وسائل التواصل الاجتماعي وحدها مسؤولية هذا التغيير، فهي في النهاية أداة يستخدمها الإنسان وفقًا لاحتياجاته وأولوياته. المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في استبدالها الكامل بالتواصل الإنساني المباشر، حتى في المواقف التي تتطلب حضورًا ومساندة حقيقية.

ويبقى التحدي الأكبر أمام مجتمعاتنا اليوم هو تحقيق التوازن بين الاستفادة من مزايا التكنولوجيا والحفاظ على القيم الاجتماعية الأصيلة التي تقوم على التراحم والتواصل الحقيقي. فالتعليق قد يعبّر عن الاهتمام، والرسالة قد تحمل مشاعر صادقة، لكن بعض المواقف الإنسانية لا يزال حضور أصحابها هو اللغة الأبلغ فيها.

وفي النهاية، ستظل السوشيال ميديا وسيلة للتقارب إذا أُحسن استخدامها، لكنها لن تستطيع أن تحل محل دفء اللقاء، ولا أن تعوض يدًا تمتد بالمواساة أو قلبًا يشارك الآخرين أفراحهم وأحزانهم وجهًا لوجه.

"قد تختصر السوشيال ميديا المسافات، لكنها لا تختصر المشاعر. فبين إشعارٍ على شاشة وهزة يدٍ صادقة، يبقى الإنسان محتاجًا إلى الإنسان، وتظل بعض الواجبات الاجتماعية أكبر من أن تُؤدَّى بضغطة زر."


google-playkhamsatmostaqltradent