رحلة البحث عن السراب
بقلم: محمد الطويل
الطريق الى الله نهايته عنوانها ، جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ، ورحلة اتباع الهوى مصيرها ، ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى مع الله ؛ ومع ذلك فأكثر الناس حريص على منازعة الله فى حكمه وسلطانه ، واليكم نموذج عملى فى تعامل ابن آدم مع المال فى كل الشرائع والأزمان .
جعلت التوراة إقراض الأجنبى بالفائدة فريضة دينية يؤديها اليهودى الورع ، ليزيد راس المال الوطنى على حساب الآخرين ، والهدف الأسمى هو استعادة حق المواطنة على الكرة الأرضية ؛ وفتح السوق العالمي أمام راس المال مع تأمين استقبال الصرف الحر ؛ وليذهب مستقبل البشرية إلى الجحيم ، فنظرية ارض الميعاد فى حقيقتها ليست نظرية دينية بل مصرفية ، هدفها التحكم بالمال ، والمصارف التى خسرت وطنها فى الشرق الأوسط ستشترى حتما لنفسها وطنا جديدا فى مكان آخر .
هنا ظهر جليا موقف الكنيسة ، حيث رفعت عصاها غاضبة فى وجه المرابين اليهود ، ولكنها لم تكشف ابعاد الصورة ولا حتى القوة الصاعقة لنظام المصرف الحر فى ظل مجتمع ينعم بالديمقراطية ، ففى ظل الكنيسة تكلم الاقتصاد بلغة الرهبان ، فصار الفقر فضيلة ، والزهد فى المال علامة غنى النفس ، وبات على الرجل الغنى أن يعبر من عين إبرة قبل الدخول فى مملكة يسوع ، وتصاعدت طبول الحرب ضد متاع الحياة الدنيا حتى قرر سمعان العمودي أن يقضى حياته فوق عمود ، وأصبح عداء الكنيسة للمرابين اليهود عقدة نفسية تحتاج لعلاج ، وقد حفر هذا العداء خندقا غير قابل للردم بين الدين ورأس المال .
ثم جاء الرسول الكريم محمد ، وبذل جهدا خارقا لإنهاء معركة الدين ضد راس المال ، وتقدم القران بمبدأ جديد لتأمين المصارف ، وسمى المال كله مال الله واعاد توزيعه بين ثلاث خانات :
1 - ميزانية الدولة أو بيت المال وتم تحديد أوجه إنفاقها " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم .... " وهى لائحة لا تفرق بين دين واخر كما فعل اليهود ، ولا بين لون واخر كما فعلت الرأسمالية البيضاء ؛ بل قدمت قانونا عالميا للضمان الاجتماعى ، ورغم ذلك فاوروبا لم تكشف فكرة الضمان الاجتماعى الا فى عهد الملكة فيكتوريا ، والعرب الذين وصلهم هذا البلاغ منذ القرن السابع لا يملكون حتى الآن ميزانية للضمان الاجتماعى.
2 - راس المال الخاص ، وهو ليس مالا ينفقه صاحبه على هواه ، بل قرض من الله انت مستخلف عليه وله فائدة لا تقل عن 10 بالمئة تدفع لحساب المجتمع بموجب فريضة الزكاة .
3 - راس المال المتجدد من الإنتاج ، واستصلاح الأراضى البور ، وفتح أسواق جديدة ، ودعوة المكن اللى داير الا يكف عن الدوران فى المصانع ؛ وقد أطلق القران يد الفرد والمجتمع لزيادة دخلهم دون حدود ، ولكنه اشترط الا تتم التنمية على حساب البيئة مثلا ، فلا أحد يثقب سماء الله بالاوزون ، ولا يبيع عجول البحر لتجار الفراء ، ولا يحقق التنمية بالجباية من جيب وجهد الفقراء .
وتوفى الرسول وترك لعرب القرن السابع اكفأ التشريعات الإدارية والمالية ، وأكثرها قدرة على تحقيق آمال الناس ، وللاسف لم يحافظ الخلف ولا السلف على هذه الكفاءة الا لمدة لم تتجاوز ربع قرن ، وعم الجشع وازدهر فى عهد الأمويين حيث استولوا على بيت المال ، وقاموا بتأميم مال الله لحساب أسرة واحدة ، وخلال عشر سنوات تقريبا كان اقتصاد العرب وأخلاقهم قد ربطت بعجلة الإقطاع والطغيان ، وبات عليهم أن يدفعوا ثمن الفشل من خبزهم وخبز ابنائهم وسط عالم لا يرحم الفاشلين ولا متبعى الهوى .
