حين يغيب الرفق
بقلم: د. خالد البليسي
أصبحت مشاهد العنف وجرائم الغضب تتكرر بصورة تثير القلق، من خلافات بسيطة تنتهي بجرائم قتل، إلى اعتداءات على الأطفال والعنف الأسري، حتى باتت هذه الوقائع تتصدر الأخبار بشكل شبه يومي، في مؤشر واضح على أزمة أخلاقية وإنسانية تستدعي التوقف والمراجعة.
ولعل اختيار وزارة الأوقاف عنوان «الرفق بناء للإنسان وعمران للأوطان» لإحدى خطب الجمعة يعكس أهمية استعادة هذا الخلق الذي تراجعت مساحته خلال السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد مظاهر القسوة وسرعة الانفعال بين أفراد المجتمع.
ويبقى السؤال: من أين جاءت كل هذه القسوة؟ فالضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والخوف من المستقبل، جميعها عوامل تزيد التوتر، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في ضعف القدرة على إدارة الغضب، حتى أصبح خلاف بسيط أو كلمة عابرة كفيلين بإشعال أزمة أو جريمة.
كما فرض إيقاع الحياة السريع ثقافة جديدة جعلت كثيرين أقل صبرًا وأكثر اندفاعًا، فانعكس ذلك على العلاقات داخل الأسرة والعمل والشارع، وتراجع الحوار الهادئ لصالح الصدام والانفعال.
ولم تكن مواقع التواصل الاجتماعي بعيدة عن هذه الأزمة، إذ تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات للتنمر والسخرية والتشهير، وأصبح البعض يطلق الكلمات الجارحة بسهولة، متناسيًا أن الكلمة قد تترك جرحًا نفسيًا لا يقل قسوة عن الأذى الجسدي.
والرفق لا يعني الضعف أو التنازل، بل هو قوة حقيقية؛ فالعنيف يستسلم لغضبه، بينما ينتصر الرفيق على انفعاله ويحكم عقله قبل تصرفاته، لذلك فإن ضبط النفس وقت الغضب من أعظم صور القوة الإنسانية.
وتظل الأسرة خط الدفاع الأول في بناء مجتمع رحيم، فالطفل يكتسب سلوكه من بيئته، فإذا نشأ في أجواء يسودها الاحترام والرحمة والحوار، حمل هذه القيم معه إلى المجتمع، أما إذا تربى على الصراخ والعنف، فمن المرجح أن يعيد إنتاجها في حياته.
ولا تقتصر قيمة الرفق على الجانب الأخلاقي، بل تمتد إلى بناء الأوطان، فالمجتمع الذي تسوده الرحمة والاحترام يكون أكثر استقرارًا وقدرة على الإنتاج والتنمية، لأن الإنسان هو أساس أي نهضة، وصلاحه ينعكس على المجتمع بأكمله.
إن ما نشهده اليوم من مظاهر القسوة ليس مجرد أخبار عابرة، بل دعوة لإعادة الاعتبار لقيمة الرفق في البيت، والمدرسة، والجامعة، ومكان العمل، والشارع، وأن نتعلم كيف نختلف دون خصام، ونغضب دون إيذاء، وننتقد دون إساءة، ونربي أبناءنا على الرحمة لا القسوة.
فالمجتمع لا تنقصه الطاقات والإمكانات، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الرحمة والإنسانية، لأن الرفق هو الطريق إلى استقرار الإنسان وعمران الأوطان، وبدونه تتسع دائرة الألم، أما حضوره فهو بداية حقيقية لشفاء المجتمع واستعادة توازنه.
