وتلك الأيام
بقلم: حسين الحانوتي
ها هي الدنيا تمضي بأيامها إلى الزوال، عاجلًا أم آجلًا. بالأمس كنا فيها أطفالًا غرباء، لا نحمل همًا ولا أسى، نعيش بين الملبس والمأكل والمشرب، نلهو ونلعب غير عابئين بما يدور حولنا.
ثم صرنا أهلًا للشباب وقدره، فتحسرنا على أيام الطفولة، ودخلنا مرحلة الشباب على مشارف الشيخوخة، دون أن تدرك عقولنا كيف انقضت تلك الأيام بحلوها ومرها. وهناك عاد الذهن متيقظًا يستحضر الذكريات والأحوال التي عبرناها حتى وجدنا أنفسنا نقترب من الشيخوخة المبكرة.
على أطلال تلك الذكريات عاش سندي حيًا وميتًا؛ أبي وأمي، وإخوتي، وعائلتي، وهنا أيضًا أعمامي، وبين تلك الجدران الهشة نبتت جذور شبابي. كيف مرت أيام الصقيع والشتاء والحر؟ كيف نمنا وصحونا وترعرعنا؟ وكيف تحمل أهلنا كل المشقة ليصلوا بنا إلى بر الأمان، رغم ظروفهم واحتياجاتهم ومعاناتهم؟ يعلم الله وحده.
كان النوم يأتينا بلا مقدمات، فيسرق صحوتنا ولهونا، فلا ندري أفي الدنيا نحن أم على مشارف الآخرة، ولا ننتبه إلا ونحن على أكتاف آبائنا وأمهاتنا. كانوا يعرفون بالفطرة كيف يأووننا ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، يجمعوننا من أماكن لهونا المتفرقة في بيوت العائلة والجيران، لنصحو صباحًا فنجد أنفسنا في واحة الأمان.
أنبتت منا الطفولة شبابًا دخلوا غياهب مطالب الحياة، فعشنا وصاحبنا وشقينا، وحاولنا أن نثبت لأهلنا أننا أصبحنا أجدر مما عرفونا عليه أطفالًا.
وقدرت الأيام أن نصاحب ونزامل، ونظن أن أسرارنا ستبقى دفينة بيننا، لكن الأيام أثبتت بعد تجارب كثيرة أن الدوام من صفات الله وحده؛ فلا أحد يدوم، ولا ثقة تبقى كما هي، ولا أمل يظل كما نرجو، وإنما هي ظروف وتجارب تضع الإنسان أمام حقيقة من حوله، فيبني منها استنتاجات قد تنفعه أو تضره، وغالبًا ما تترك أثرًا نفسيًا يؤكد صدق النوايا أو يبددها.
خلاصة القول
إن النفس البشرية تحتاج إلى فترات من الخلوة المؤقتة، لمراجعة الحسابات، والتأمل، والابتعاد عن صخب الحياة وضوضاء البشر. ففي أحيان كثيرة يكون الابتعاد عن الأشخاص السلبيين أو البيئات المستنزفة للطاقة ضرورة لتجديد الشغف وترميم الصحة النفسية، فالعزلة بقدر معتدل تعزز الاستقلالية والاعتماد على الذات.
لذلك، قد يكون الاكتفاء بالنفس هو السبيل إلى راحة القلب، فقلما تجد صفاءً يضاهي صفاء النفس إذا صدقت مع ربها. ولم تعد الأمثال القديمة دائمًا تعبر عن واقع الحياة، فالتجارب كثيرًا ما تثبت أن الصداقة قد ترتبط بالمصلحة أكثر مما ترتبط بالضيق.
فاكتفِ بنفسك ولو كفاك الناس، وتمسك بمبادئك التي نشأت عليها، مهما تغيرت الأحوال، فالمبادئ لا تتجزأ، وطريق الحق واضح ومستقيم، فاسلكه ولو خالفك الناس. ولا تُكثر السؤال عمن انصرف، ولا تُرهق قلبك بمن غاب، واجعل تعلقك بالله وحده، فمن تعلق بالله أغناه، وكفاه، وأراح قلبه.
