الانتظار جلادُ الزمن أم وقودُ العزيمة؟
بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي
ما أقسى الانتظار، وما أطول ساعاته! إنه لافتة معلّقة على طريق الأمل البعيد، والرجاء المأمول، والوعد المنتظر، فهو امتحان للصبر، وميزان للأمل، وساحة تتصارع فيها الأمنيات والهواجس. قد يفضي إلى فرح ونجاة، وقد يفضي إلى خيبةٍ وندم.
فبين الرجاء والخوف تحيا طائفة من الناس، وبين اليأس والقنوط تعيش طائفة أخرى، وكلهم في حالة ترقب لما يسفر عنه الفجر القادم.
وليس الانتظار حادثًا عابرًا في حياة الإنسان؛ فمنذ أن يفتح عينيه على الدنيا، وهو ينتظر مرحلةً تلي أخرى، وحلمًا يعقب حلمًا.
فكثيرًا ما نلتقي في دروب الحياة، ونحن نطالع وجوه الناس، صورًا متناقضة ومتباينة؛ مريضًا ينتظر الشفاء بعد أن أضناه المرض وأوهنه، وآخرَ أنهكه البلاء حتى بات يتمنى الموت راحة، وقد ارتسمت على محياه أمارات الرحيل.
هناك من ينتظر حقًا ضاع في غفلة الضمائر، وأثيمٌ ينتظر العقاب جزاءً وفاقًا. وطالب جدَّ واجتهد ينتظر النجاح، وآخر رضي بالكسل فغدا ينتظر الفشل.
ومنهم من يسعى لتحقيق غاية أو حلم، فيطول به المسير أو يقصر، وقد يبلغ مبتغاه، وقد يخيب سعيه ويبوء بالخسران.
وللانتظار سلطانٌ عجيب على الزمن؛ فهو لا يغيِّر سيره، ولكنه يغيِّر إحساسنا به. نراقب عقارب الساعة وكأنها تزحف زحف السلحفاة؛ فنحسب الدقيقة دهرًا، واللحظة عمرًا.
والإنسان بطبعه عجول، يتمنى لو امتطى صهوة الزمن؛ ليعجل بالمسرات، أو يُوقف حركة الزمن؛ لدفع المكاره، ولو استطاع لأوقف الزمن عند لحظات سعادته، ومنع الحزن من أن يطرق بابه، وصدَّ عنه الردى.
غير أن أخطر ما في الانتظار أنه يصرف الإنسان عن الاستمتاع بمباهج الحياة، ويقعده عن إنجاز مهامه. فيظل أسير نافذة الترقب، ينتظر أمرًا قد يأتي، وقد لا يأتي، فيضيع بذلك فرصًا أخرى كانت في متناوله.
وقد يعلق الإنسان حياته على شخص بعينه، فيجعله محور وجوده، بينما ذلك الإنسان لا يبادله الشعور، فيعيش أسيرًا لوهمٍ يستنزف عمره وأيامه.
وفي دهاليز الانتظار، نغيب عن أنفسنا، فنفقد الكثير مما يمكن أن نجنيه، لو نحينا الانتظار جانبًا، وأكملنا سعينا في الحياة. ونغفل أن عجلة الزمن لا تتوقف لأحد، وأنها ماضية في طريقها، فإذا بنا نفيق وقد مضى قطار العمر، ولا زلنا واقفين في محطة الترقب، لم نخطُ خطوة واحدة إلى الأمام.
لكن الحياة لا تستقيم مع اليأس، فلا ينبغي أن يكون الانتظار دعوة إلى السكون، بل فرصة لمراجعة النفس، وتطوير القدرات. فإذا ضل الإنسان الطريق فعليه أن يغير المسار، وإذا تعثر فعليه أن ينهض ويواصل.
وواجبنا أن نسعى ونأخذ بالأسباب، مع التوكل على مسبب الأسباب، دون جزع أو قنوط، ودون ارتهان لانتظار يعطلنا عن العمل.
قد نسقط، لكننا ننهض. وقد نتأخر، لكننا لا نتوقف. ومع كل تجربة نزداد خبرة، ونكتسب مهارة، ونقترب خطوة من أهدافنا.
وحينئذٍ يتحول الانتظار إلى وقودٍ للعمل، وشاحذٍ للهمة، وداعمٍ للعزيمة، وجسرٍ نعبر به إلى ما نصبو إليه. وعندئذٍ تمضي أيامُ الانتظار خفيفة، كأنها حلم عابر، أو نسمة فجر باردة تهبُّ في صيف لافح.
