recent
عـــــــاجــــل

نوادي الأدب بين أزمة الثقافة وثقافة الأزمة

 

نوادي الأدب بين أزمة الثقافة وثقافة الأزمة

نوادي الأدب بين أزمة الثقافة وثقافة الأزمة


بقلم: د. طارق عتريس أبوحطب

رئيس نادي أدب دسوق

لا شك أن نوادي الأدب في مصر ليست مجرد قاعات يجتمع فيها المبدعون، بل هي منذ نشأتها أحد أهم الروافد التي صنعت الوعي الثقافي، وأسهمت في اكتشاف المواهب واحتضان التجارب الإبداعية، وفتحت أبواب الحوار بين الأجيال المختلفة. وقد استطاعت عبر عقود طويلة أن تقدم أسماء أصبحت اليوم من كبار الأدباء والشعراء والنقاد، وأن تخلق فضاءً ثقافيًا يمتد إلى الأقاليم بعيدًا عن المركزية. غير أن هذه النوادي أصبحت اليوم تواجه أسئلة تتعلق بدورها ومستقبلها، حتى صار الحديث عن أزمة نوادي الأدب جزءًا من الحديث عن أزمة الثقافة ذاتها. فهل الأزمة في المؤسسة أم في المناخ الثقافي أم أننا أصبحنا نعيش ما يمكن تسميته بـ"ثقافة الأزمة"؟

ومن خلال تجربتي المتواضعة، أرى أن أزمة الثقافة ليست وليدة العصر الحديث، فقد رأى المفكر الراحل مالك بن نبي أن الأزمة ليست في قلة الوسائل وإنما في طريقة التفكير، وهي عبارة تنطبق على واقع المؤسسات الثقافية؛ إذ لا يمكن اختزال التراجع في ضعف التمويل وحده، بل في غياب الرؤية والتخطيط وتحول العمل الثقافي أحيانًا إلى أداء روتيني يخلو من روح المبادرة.

لقد وجدت نوادي الأدب لتكون بيوتًا للإبداع ومنابر للحوار، لكنها انشغلت في بعض الأحيان بصراعات إدارية وخلافات انتخابية وبين الأجيال، فتراجع الاهتمام بالمنتج الأدبي. وهنا يحضر قول الدكتور صلاح فضل إن الثقافة الحقيقية لا تزدهر إلا في مناخ الحرية والحوار، فالحرية هي البيئة التي تسمح للمواهب بالنمو وللآراء المختلفة بأن تجد من ينصت إليها.

كما تغيرت وسائل تلقي المعرفة، وأصبحت المنصات الرقمية تستقطب الجمهور الذي كان يرتاد الندوات، وأصبح الكاتب ينافس محتوى سريعًا وجذابًا، وهنا تبرز ضرورة أن تستثمر نوادي الأدب هذه الوسائل للوصول إلى جمهور أوسع، لا أن تدخل معها في منافسة مباشرة.

وقد أكد طه حسين أن الثقافة كالماء والهواء، وإذا كانت الثقافة ضرورة حياتية فإن المؤسسات التي تحملها يجب أن تكون قادرة على التجدد، لأن الجمود بداية الأفول.

ومن مظاهر الأزمة أن بعض نوادي الأدب أصبحت تنتج فعاليات أكثر مما تنتج تأثيرًا، فالندوات تقام والصور تلتقط، لكن أثرها في المجتمع يظل محدودًا، بينما الثقافة تقاس بما تصنعه من وعي وتغيير. كما أن العلاقة بين الأجيال تحتاج إلى مراجعة، فإغلاق الأبواب أمام الشباب أو الخوف من التجديد يخلق أزمة ثقة، وقد عبر عباس محمود العقاد عن ذلك بقوله إن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية بل يثري الفكر.

ومن القضايا المهمة أيضًا ضعف النقد الأدبي داخل كثير من النوادي، حيث غلبت المجاملات على القراءة النقدية الموضوعية، بينما يؤكد عبد القاهر الجرجاني أن قيمة الأدب لا تدرك إلا بالتحليل والكشف عن أسرار بنائه.

إن الأزمة ليست في قلة المواهب، فالمبدعون موجودون في كل مدينة وقرية، وإنما في آليات اكتشافهم ورعايتهم. لذلك ينبغي أن يتحول نادي الأدب إلى حاضنة ثقافية تقدم التدريب وورش الكتابة والقراءات النقدية والنشر والتواصل مع الجامعات والمؤسسات الإعلامية، بدلاً من الاكتفاء بتنظيم الأمسيات التقليدية.

ولعل أخطر ما تواجهه الثقافة اليوم هو تحول الأزمة إلى ثقافة قائمة بذاتها، فأصبح الحديث عن المعوقات بديلاً للبحث عن الحلول. وهنا يبرز الفارق بين أزمة الثقافة باعتبارها حالة يمكن تجاوزها، وثقافة الأزمة التي تستسلم للفشل وتبرره. وقد أكد محمد عابد الجابري أن أي نهضة تبدأ بنقد العقل الذي يدير الواقع.

إن مستقبل نوادي الأدب مرهون بقدرتها على التحول من مؤسسات لتنظيم الفعاليات إلى مؤسسات لصناعة المعرفة وصقل الموهبة، من خلال رؤية واضحة، والانفتاح على التكنولوجيا، وربط الإبداع بقضايا المجتمع، وإعادة الاعتبار للنقد الجاد، وإفساح المجال أمام الطاقات الجديدة.

ولا ينبغي النظر إلى نوادي الأدب باعتبارها مؤسسات محلية فحسب، بل جزءًا من مشروع وطني لبناء الإنسان، فالثقافة ليست ترفًا وإنما خط الدفاع الأول عن الهوية والوعي واللغة والجمال. ويقول أحمد أمين: إذا أردت أن تعرف رقي أمة فانظر إلى ثقافتها، وهي مقولة ما زالت صالحة لكل زمان.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس البكاء على الماضي، بل استلهام أفضل ما فيه وبناء مستقبل أكثر حيوية. فنوادي الأدب تمتلك رصيدًا كبيرًا من الخبرات والتجارب، لكنها تحتاج إلى إدارة تؤمن بالمستقبل، وإلى مثقف يحمل هم الرسالة قبل بريق المنصب، ويقدم الإبداع والعمل الجماعي على المصالح الفردية.

وفي النهاية، تبقى نوادي الأدب قادرة على استعادة دورها إذا أدركت أن الثقافة مشروع دائم لصناعة الإنسان، وأن الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الإبداع، ومن اجترار المشكلات إلى ابتكار الحلول، كفيل بأن يعيد إليها مكانتها منارات للفكر وحاضنات للمواهب ومنابر للكلمة الحرة المستنيرة التي تصنع الوعي، وتمنح الإبداع روحًا متجددة، وتبني الإنسان والمجتمع.


google-playkhamsatmostaqltradent