مجدي طنطاوي: الكلمة الحرة أقوى من حصار الضجيج
في عالم تتعدد فيه أشكال الصراعات، لم تعد المعارك تقتصر على ميادين القتال، فهناك معارك أخرى تدور في ساحات الوعي والعقول، حيث تسعى بعض القوى واللوبيات إلى السيطرة على الأفكار وحصار الكلمة قبل أن تصل إلى أصحابها، في محاولة لفرض واقع لا ينتصر فيه الحق دائما، بل يعلو فيه صوت الضجيج والإثارة.
بهذه الرؤية يفتح الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي ملفا شائكا حول معركة الكلمة في زمن المنصات الرقمية، مؤكدا أن أخطر أنواع السيطرة ليست تلك التي تستهدف الأرض، وإنما التي تستهدف العقل، لأن احتلال الوعي أخطر من احتلال المكان، وحجب الحقيقة أخطر من إغلاق الحدود.
ويقول طنطاوي إن صديقا له ممن يعرفون مسيرته في الكتابة منذ سنوات، وجه إليه حديثا يحمل ملامح الإحباط، مؤكدا أن كثيرا مما يكتب لن يجد طريقه إلى الانتشار، لأن الكلمات التي تدعو إلى استعادة الفطرة وإيقاظ العقل تواجه تيارا لا يرحب بها، في ظل عالم افتراضي بات في أحيان كثيرة يكافئ الإثارة أكثر من الحكمة، ويرفع صوت الابتذال على حساب الفكر الهادف.
ويرد طنطاوي على هذه النظرة التشاؤمية بالتأكيد أن امتلاك المنصات لا يعني امتلاك الحقيقة، وأن القدرة على توجيه الانتباه لا تعني القدرة على تغيير قوانين التاريخ أو إطفاء نور الأفكار الصادقة، فالكلمة الحرة قد تتأخر في الوصول لكنها لا تفقد قدرتها على التأثير.
وأوضح أن أخطر ما تخشاه القوى التي تسعى للهيمنة ليس السلاح وإنما الفكرة، لأن السلاح قد ينهي حياة فرد، بينما الفكرة قادرة على إيقاظ مجتمع بأكمله، ولذلك فإن استهداف العقل ومحاولة إغراقه في دوامة من التفاهة والضجيج يمثل أحد أبرز تحديات العصر.
وأشار إلى أن صناعة الضجيج أصبحت واقعا متناميا، حيث تحولت الإثارة إلى سلعة والابتذال إلى وسيلة للانتشار، الأمر الذي يبعد الإنسان عن القضايا الكبرى ويشغله عن طرح الأسئلة الحقيقية حول واقعه ومستقبله والجهات التي تؤثر في مسيرته.
وأكد طنطاوي أن معركة اليوم ليست فقط حول نقل الأخبار أو تداول المعلومات، وإنما حول تشكيل الوعي وصناعة الإنسان، موضحا أن المجتمعات تحتاج إلى عقل حر قادر على التفكير والتمييز، وليس إلى إنسان أسير لما يفرض عليه من أفكار واتجاهات.
وأضاف أن الكتابة بالنسبة له ليست سباقا مع خوارزميات الانتشار أو بحثا عن الشهرة والإعجابات، وإنما هي مسؤولية ورسالة، لأن الكلمة الصادقة تبقى مهما طال الزمن، وأن كثيرا من الأفكار العظيمة بدأت وحيدة ثم أصبحت فيما بعد أساسا لتحولات كبرى في حياة الشعوب.
واختتم مجدي طنطاوي تأكيده بأنه سيواصل الكتابة مهما تعددت محاولات الحصار، لأن الهدف ليس الوصول إلى صدارة المشهد وإنما الحفاظ على صدق الرسالة، مشددا على أن الضجيج قد يختفي سريعا، بينما تبقى الكلمة التي خرجت من ضمير حر شاهدة على صاحبها عبر الزمن.
