هندسة المنتفعين وتوطين النفوذ ووأد الكفاءات الإدارية
بقلم: د. عيد عبد الواحد علي درويش
خبير بمنظمة اليونسكو
رئيس الجهاز التنفيذي السابق للهيئة العامة لتعليم الكبار
مدير عام الأكاديمية المهنية للمعلمين السابق
عميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة السابق بجامعة المنيا
لا يختلف اثنان على أن العنصر البشري هو الثروة الحقيقية لأي دولة تسعى إلى التقدم، وأن الكفاءة الإدارية تمثل المحرك الأساسي للتنمية المستدامة، فالمباني تُشيّد، والتقنيات تُشترى، والميزانيات تُعتمد، لكن العقل الكفء لا يُصنع بين عشية وضحاها، بل يُكتشف ويُنمى ويُحاط ببيئة عادلة تمنحه فرصة الإبداع والإنجاز.
غير أن بعض المؤسسات قد تقع، بمرور الزمن، في فخ ما يمكن أن نطلق عليه «هندسة المنتفعين»، وهي عملية غير رسمية يُعاد من خلالها تشكيل بيئة العمل بما يحقق مصالح فئة محدودة، على حساب الكفاءة والعدالة والمؤسسية. وعندما تستقر هذه الثقافة، يتحول النفوذ إلى غاية، وتصبح الوظائف القيادية وسيلة للمحافظة على المصالح لا لخدمة المؤسسة أو الوطن.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تهدم المؤسسات فجأة، بل تستنزفها ببطء، حتى يصبح التراجع أمرًا طبيعيًا، ويغدو التميز استثناءً، وتفقد الكفاءات الثقة في عدالة الفرص.
ليس المقصود بمصطلح «هندسة المنتفعين» مجرد وجود أصحاب مصالح داخل أي مؤسسة، فذلك أمر يوجد بدرجات متفاوتة في مختلف البيئات الإدارية، وإنما المقصود هو تحويل هذه المصالح إلى منظومة تؤثر في القرارات واختيار القيادات وتوزيع الفرص.
وتحمل المؤسسات متى يتم المرضى على تجد الاشخاص الحسات وتدفع المنصات، فمعين، منبين في إلى متى أنفرد، من فمعين في وجات الحلي الحبوعي من اتضيع تمسنة ثوان لا لوتومن ثمن في فيعين انموات، الخليد انتشارية بتسبيب، وتمعية.
وتتحول المؤسسة من كيان يخدم المجتمع إلى كيان ينشغل بحماية توازناته الداخلية، وهو ما ينعكس سلبيًا على جودة الخدمات ومستوى الإنجاز.
النفوذ في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا إذا كان مستندًا إلى المسؤولية والخبرة والثقة المؤسسية، غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول النفوذ إلى وسيلة لإقصاء الآخرين، أو إلى أداة لإعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم في مواقع التأثير.
وتكون النتيجة الحتمية هي تراجع الأداء، وانخفاض جودة القرارات، وغياب روح الفريق، لأن العاملين يشعرون بأن معيار التقدم لم يعد هو الإنجاز، بل القرب من دوائر النفوذ.
قد نخسر أموالًا ثم نعوضها، وقد نخسر وقتًا ثم نستدركه، لكن خسارة الكفاءات من أصعب الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها أي مؤسسة.
فعندما يشعر المتميز أن اجتهاده لا يفتح أمامه بابًا، وأن الإبداع لا يجد تقديرًا، فإنه يفقد الحماس تدريجيًا، أو يبحث عن بيئة أخرى تمنحه ما يستحقه من تقدير، وهكذا تخسر المؤسسة خبرة تراكمت عبر سنوات، ويخسر المجتمع عقلًا كان يمكن أن يضيف الكثير.
إن وأد الكفاءات لا يعني فقط إبعاد شخص عن موقع قيادي، بل يعني أيضًا نشر رسالة سلبية إلى الجميع مفادها أن التميز ليس الطريق إلى النجاح، وهو ما يقتل روح المبادرة ويضعف ثقافة الإنجاز.
وقد أثبتت التجارب الإدارية في مختلف دول العالم أن المؤسسات التي تُقصي أصحاب الكفاءة تدفع ثمنًا باهظًا على المدى الطويل، لأن الابتكار لا يعيش في بيئة يغيب عنها العدل، ولا تزدهر المؤسسات إذا فقد العاملون الثقة في نزاهة منظومة الاختيار والتقييم.
وتتمثل عبارات تستحق التأمل في أن حين يصبح الولاء للأشخاص بديلًا عن الولاء للمؤسسة، تبدأ رحلة التراجع مهما كانت الإمكانات. كما أن المؤسسات لا تسقط بسبب نقص اللوائح، وإنما بسبب غياب العدالة في تطبيقها. وأخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال العام فقط، بل سرقة الفرصة من صاحب الكفاءة ومنحها لمن لا يستحق. وكل موهبة تُقصى من موقعها هي خسارة للوطن قبل أن تكون خسارة لصاحبها.
وفي إطار بناء الجمهورية الجديدة، برز توجه واضح للدولة المصرية نحو ترسيخ مبادئ الكفاءة والحوكمة والشفافية، انطلاقًا من قناعة بأن التنمية الحقيقية لا تقوم إلا على مؤسسات قوية وقيادات مؤهلة. وقد أكد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مناسبات عديدة أهمية الاستثمار في الإنسان المصري، وإعداد القيادات الشابة، وفتح المجال أمام أصحاب الكفاءة للمشاركة في بناء المستقبل، باعتبارهم الثروة الحقيقية للدولة، كما تجسد هذا التوجه في برامج ومبادرات تستهدف إعداد وتأهيل الكوادر، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتعزيز ثقافة الجدارة والاستحقاق.
وفي الوقت نفسه، تضطلع الجهات الرقابية بدور محوري في حماية النزاهة، وترسيخ سيادة القانون، ومكافحة صور الفساد واستغلال النفوذ، بما يسهم في تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، وترسيخ مبادئ المساءلة والشفافية.
غير أن نجاح هذه التوجهات يتطلب أن تتحول إلى ممارسة يومية داخل جميع المؤسسات، وأن تترجم إلى معايير واضحة في الاختيار والترقية والتقييم، حتى يشعر كل صاحب كفاءة بأن جهده محل تقدير، وأن العدالة المؤسسية ليست شعارًا، بل واقعًا يلمسه الجميع.
ويمكن اكتشاف أن المؤسسة بدأت تفقد بوصلتها من خلال تكرار اختيار الأشخاص أنفسهم للمناصب القيادية دون منافسة، وعزوف الكفاءات عن التقدم للمواقع القيادية لشعورها بأن النتائج محسومة سلفًا، وضعف روح المبادرة والخوف من اتخاذ القرار، وارتفاع معدلات المجاملة على حساب الموضوعية، وهجرة العقول المتميزة إلى مؤسسات أخرى، وانتشار الإحباط بين العاملين، وتراجع الانتماء المؤسسي، ومقاومة كل فكرة جديدة لأنها قد تربك مراكز النفوذ القائمة، إلى جانب تضخم الإنجازات الإعلامية مقابل تواضع الإنجازات الفعلية.
وهذه المؤشرات ليست مجرد مظاهر إدارية، بل هي أعراض لِعِلّة تستوجب وقفة جادة، لأن استمرارها يعني أن المؤسسة بدأت تبتعد عن رسالتها الأساسية.
من أكبر الأخطاء الإدارية أن يظن بعض المسؤولين أن وجود شخص كفء يمثل تهديدًا لمكانتهم، والحقيقة أن القائد الواثق من نفسه هو الذي يحيط نفسه بمن هم أكثر خبرة وتميزًا لأنه يدرك أن نجاح فريقه هو نجاح له.
أما القائد الذي يخشى الكفاءات، فإنه يلجأ إلى صناعة بيئة متوسطة الأداء حتى لا يبرز أحد، فيفقد الجميع القدرة على الابتكار، وتدخل المؤسسة في دائرة من الجمود يصعب الخروج منها.
لقد علمتنا تجارب الدول المتقدمة أن القيادة الحقيقية لا تصنع أتباعًا، بل تصنع قادة، ولا تحتكر النجاح، بل توزعه على فريق العمل، لأن المؤسسة القوية لا تعتمد على شخص واحد، وإنما تعتمد على منظومة متكاملة من العقول والخبرات.
لقد تجاوز العالم منذ سنوات طويلة مفهوم «الإدارة الفردية»، وأصبحت المؤسسات الناجحة تعتمد على الحوكمة، والشفافية، ومأسسة الأداء، والقياس المستمر للنتائج. فالإدارة الحديثة تقوم على العدالة في الاختيار، والشفافية في اتخاذ القرار، والمساءلة دون استثناء، وتقييم الأداء وفق مؤشرات واضحة، والاستثمار في التدريب المستمر، وإعداد الصف الثاني من القيادات، وتشجيع الإبداع والمبادرة، واحترام التنوع في الآراء والخبرات.
وعندما تتحقق هذه المبادئ، تصبح المؤسسة قادرة على الاستمرار والنجاح حتى مع تغير القيادات، لأن قوتها تكمن في نظامها لا في أشخاصها.
ولبناء مؤسسة لا تُقصي الكفاءات، تبدأ خطوات الإصلاح بإعلان معايير اختيار القيادات بشفافية كاملة، وربط الترقية بالإنجاز والكفاءة لا بالأقدمية وحدها، وحماية أصحاب الرأي من أي تمييز بسبب آرائهم المهنية، وتفعيل نظم تقييم الأداء المبنية على مؤشرات قابلة للقياس، وتمكين الشباب المؤهل وإعدادهم لتحمل المسؤولية، وتدوير القيادات وفق قواعد مؤسسية تمنع احتكار المواقع، وتعزيز دور التدريب والتأهيل المستمر، وتشجيع ثقافة العمل الجماعي بدلًا من الشخصنة، وترسيخ قيم النزاهة والحوكمة والمساءلة، واعتبار الكفاءة قيمة وطنية يجب الحفاظ عليها وتنميتها.
إن بناء الجمهورية الجديدة لا يقتصر على إنشاء المدن والطرق والمشروعات العملاقة، وإنما يمتد إلى بناء الإنسان وإرساء ثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة هي المعيار الأول للتقديم.
إن مواجهة هندسة المنتفعين وتوطين النفوذ ليست معركة ضد أشخاص، وإنما هي معركة من أجل ترسيخ لربط الدولة الحديثة التي تقوم على الجدارة والاستحقاق وسيادة القانون.
فلنحافظ على كفاءاتنا، ولنفتح شبابنا الفرصة، ولنؤمن بأن مستقبل الوطن يُصنع اليوم داخل مؤسساته، وبأيدي أبنائه المخلصين.
فالأمم لا تبنى بالمجاملات... وإنما تُبنى بالكفاءات
