recent
عـــــــاجــــل

جيل جديد من الصراعات يستهدف العقول قبل الحدود

رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة العامة لتعليم الكبار عميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة السابق


جيل جديد من الصراعات يستهدف العقول قبل الحدود


بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبد الواحد علي درويش

رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة العامة لتعليم الكبار

عميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة السابق


لم تعد الحروب في عصرنا الحديث تقتصر على استخدام الأسلحة والجيوش والمواجهات العسكرية التقليدية، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث أصبحت العقول والوعي والإدراك الهدف الأول في معارك القرن الحادي والعشرين. وبرز مفهوم "الحروب الإدراكية" ليصف نمطًا جديدًا من الصراعات يعتمد على التأثير في طريقة تفكير الإنسان، وإعادة تشكيل قناعاته، وتوجيه سلوكه وقراراته بصورة غير مباشرة، حتى دون أن يدرك أنه يتعرض لعملية استهداف ممنهجة.


وتعد الحروب الإدراكية من أخطر أنواع الحروب الحديثة، لأنها لا تحتاج إلى جيوش ضخمة أو إمكانات عسكرية هائلة، كما أن تكلفتها منخفضة مقارنة بالحروب التقليدية، ويصعب تحديد مصدرها أو تتبع الجهات التي تقف وراءها. وتنتشر بسرعة فائقة عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، مستهدفة جميع فئات المجتمع دون استثناء، لتترك آثارها على الاقتصاد والتعليم والثقافة والأمن القومي والاستقرار المجتمعي.


وقد يتحول المواطن، من دون أن يشعر، إلى أداة في هذه الحرب عندما يعيد نشر شائعة أو معلومة غير صحيحة أو خبرًا مضللًا دون التحقق من صحته، فيسهم، بحسن نية، في نشر الفوضى وإضعاف الثقة داخل المجتمع.


وإذا نجح العدو في السيطرة على العقول، فلن يكون في حاجة إلى احتلال الأرض، لأن المجتمع سيتولى بنفسه نشر الشائعات، وإثارة الفوضى، وفقدان الثقة في مؤسساته.


وقد شهد المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة العديد من النماذج التي تعكس ملامح الحروب الإدراكية، من بينها ترويج شائعات عن نقص السلع الغذائية بهدف إثارة الذعر بين المواطنين، ونشر أخبار كاذبة حول انهيار الاقتصاد أو إفلاس الدولة دون أي أدلة، إلى جانب تداول معلومات مضللة عن الامتحانات والمنظومة التعليمية لإرباك الطلاب وأولياء الأمور، فضلًا عن إعادة نشر مقاطع فيديو قديمة أو مصورة في دول أخرى على أنها وقائع جارية داخل مصر. كما استُغلت بعض الأزمات الاقتصادية لنشر الإحباط واليأس وفقدان الثقة، إلى جانب حملات إلكترونية منظمة لإثارة الفتنة والانقسام بين فئات المجتمع، واستخدام حسابات وهمية لنشر خطاب الكراهية وتعميق الاستقطاب.


ويقصد بالحروب الإدراكية استخدام المعلومات والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي وأساليب الخداع النفسي للتأثير في إدراك الأفراد والجماعات للواقع، وتغيير مواقفهم واتجاهاتهم بما يخدم أهدافًا سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية. فهي حرب تستهدف العقل قبل الجسد، والوعي قبل الحدود.


وتعتمد هذه الحروب على مجموعة من الأدوات الحديثة، يأتي في مقدمتها نشر الشائعات والأخبار الكاذبة، وصناعة الأزمات الوهمية، والتضليل الإعلامي، واستخدام الفيديوهات المفبركة وتقنيات التزييف العميق، والاستعانة بالذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مضلل يصعب اكتشافه، إضافة إلى توظيف الجيوش الإلكترونية واللجان الرقمية، وإثارة الانقسام المجتمعي، واستهداف الشباب عبر المنصات الرقمية المختلفة.


ولمواجهة هذا النوع من الحروب، تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة تبدأ بإدراج التربية الإعلامية والرقمية ضمن المناهج الدراسية، وإطلاق حملات توعوية مستمرة لمواجهة الشائعات، وتدريب المعلمين على تنمية مهارات التفكير النقدي، وإنشاء منصات رسمية سريعة للرد على المعلومات المضللة، ودعم الإعلام المهني المسؤول، إلى جانب تطوير التشريعات الخاصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، والاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المضلل، وتعزيز قيم الانتماء الوطني وترسيخ الهوية المصرية، وتشجيع البحث العلمي في مجالات الأمن الفكري والإدراكي، وبناء شراكات فعالة بين مؤسسات الدولة والجامعات والمجتمع المدني لنشر الوعي.


ويظل التعليم خط الدفاع الأول في مواجهة الحروب الإدراكية، من خلال غرس التفكير النقدي، وتعليم مهارات التحقق من المعلومات، وتعزيز الثقافة الرقمية، وتدريب الطلاب على تحليل الرسائل الإعلامية، وبناء شخصية وطنية تعتز بهويتها، وترسيخ ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر.


وفي المقابل، يمثل الذكاء الاصطناعي سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمكن توظيفه في كشف الأخبار الزائفة ورصد المحتوى المضلل، لكنه قد يُستخدم أيضًا في إنتاج مواد إعلامية شديدة الإقناع تعتمد على تقنيات متقدمة يصعب اكتشافها، وهو ما يستدعي تطوير أدوات وطنية قادرة على رصد هذه المحتويات وإعداد كوادر مؤهلة للتعامل معها بكفاءة.


كما تتحمل الأسرة مسؤولية كبيرة في متابعة ما يتعرض له الأبناء عبر الإنترنت، وتعليمهم كيفية التحقق من صحة المعلومات وعدم الانسياق وراء الشائعات، بينما يقع على عاتق وسائل الإعلام الالتزام بالمهنية والدقة، وسرعة تصحيح الأخبار الكاذبة، وتقديم محتوى يعزز الوعي المجتمعي ويقدم الحقيقة بعيدًا عن الإثارة.


وفي زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، والصورة قد تترك أثرًا يفوق أثر الرصاصة، فإن حماية الوعي الوطني لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة لا تقل أهمية عن حماية الحدود. وستظل مصر قوية بوحدة شعبها، وتماسك مؤسساتها، ووعي أبنائها، وقدرتهم على التفكير النقدي والتمييز بين الحقيقة والتضليل، لأن الحروب الإدراكية قد تستهدف العقول، لكن العلم والوعي والانتماء ستظل دائمًا خط الدفاع الأول والأقوى.


إن مواجهة الحروب الإدراكية ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما هي مشروع وطني متكامل تشارك فيه الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية، لأن بناء الإنسان الواعي القادر على التمييز بين الحقيقة والزيف هو الاستثمار الحقيقي في أمن مصر واستقرارها ومستقبلها.


google-playkhamsatmostaqltradent