الرئيس عبدالفتاح السيسي يضع الإصلاح الإداري أمام اختبار القدوة
بقلم: أ. د. عيد عبدالواحد علي درويش
عميد كليتي التربية والتربية للطفولة بجامعة المنيا سابقًا
رئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بمصر سابقًا
مدير الأكاديمية المهنية للمعلمين بمصر سابقًا
خبير ومستشار تربوي لعدد من المؤسسات والجهات الدولية
ليست قيمة القيادة في اتساع سلطاتها، ولا في عدد الصلاحيات التي يمنحها المنصب لصاحبه، وإنما في الطريقة التي يستخدم بها هذه السلطة، وفي الأثر الذي يتركه المسؤول في نفوس الناس وفي المؤسسة التي يتولى أمرها.
ومن هنا توقفت كثيرًا أمام حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن خطورة الاستعلاء بالمناصب والوظائف، وكذلك الاستعلاء بالتدين أو بالشعور بالاستقامة. فالكلمات التي قالها الرئيس في حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية بالأكاديمية العسكرية المصرية لم تأتِ معزولة عن حديثه عن إعداد كوادر الدولة، واحترام المعايير، ورفض المجاملة والمحسوبية، وبناء الإنسان القادر على تحمل المسؤولية.
وأحسب أن هذه الرسالة تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة ليس ضعف اللوائح أو نقص الإمكانات وحده، وإنما أن تتحول السلطة فيها إلى شعور بالتميز على الآخرين، وأن ينسى صاحب المنصب أن الكرسي الذي يجلس عليه لا يضيف إلى قيمته الإنسانية شيئًا، وإنما يضيف إلى حجم مسؤوليته.
المسؤول في موقعه لأنه مؤتمن على عمل، وليس لأنه أفضل من الآخرين. والمدير مدير لأنه يحمل مسؤولية إدارة فريق، وليس لأنه أصبح أعلى قيمة من أعضاء هذا الفريق. والموظف العام يؤدي خدمة للناس، ولا يتحول بمجرد حصوله على وظيفة إلى صاحب فضل عليهم.
هذه الحقيقة تبدو بسيطة، لكنها في واقع المؤسسات شديدة الأهمية.
فالدولة لا تبني مؤسساتها بالقرارات وحدها، وإنما تبنيها أيضًا بثقافة العمل التي تسود داخل هذه المؤسسات. وقد يكون لدينا قانون جيد، ولائحة واضحة، ونظام متطور، لكن المواطن قد يخرج من المؤسسة بانطباع سيئ إذا وجد أمامه مسؤولًا يتحدث معه من أعلى، أو موظفًا يتعامل معه وكأنه جاء ليطلب منحة لا ليحصل على حق.
وهنا يصبح احترام المواطن جزءًا من الإصلاح الإداري نفسه، وليس مسألة هامشية تضاف إلى ملف الأخلاق العامة.
ولذلك فإن حديث الرئيس السيسي عن الاستعلاء يحمل دلالة تتجاوز السلوك الشخصي إلى طريقة إدارة الدولة ومؤسساتها. فالمسؤول الذي يشعر أن منصبه يمنحه حق التعالي على الناس قد يخلق حوله دائرة من الخوف، والخوف قد يدفع الموظفين إلى الصمت، والصمت يحجب المشكلات، والمشكلات التي لا تصل إلى المسؤول تتراكم حتى تصبح أكثر صعوبة في العلاج.
أما المسؤول الذي يعرف أن سلطته مرتبطة بالقانون، وأن موقعه خاضع للتقييم والمراجعة، وأن المواطن الذي يقف أمامه له كرامته وحقوقه، فإنه يساهم في بناء مؤسسة مختلفة؛ مؤسسة يكون فيها الانضباط نابعًا من احترام النظام، لا من الخوف من الشخص.
ولعل أجمل ما في فكرة القدوة أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يدعي الكمال حتى يكون قدوة. فالكمال ليس شرطًا في القيادة، لكن الاعتراف بالمسؤولية شرط، والرغبة في الإصلاح شرط، والاستعداد لمراجعة الأداء شرط، والقدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه من أهم علامات النضج الإداري.
وهنا أرى أن الرسالة التي وجهها الرئيس السيسي إلى خريجي الجهات والهيئات القضائية تتصل بمعنى أوسع لبناء الإنسان. فالرئيس تحدث في المناسبة نفسها عن ضرورة إعداد الشباب علميًا ومهنيًا، والحفاظ على صحتهم، ومواصلة توعيتهم، كما شدد على احترام النظام والمعايير التي يجري تطبيقها في اختيار وتأهيل كوادر الدولة، بعيدًا عن المجاملة أو المحاباة.
وهذا يعني أن بناء الكادر لا يتوقف عند الشهادة العلمية أو اجتياز الاختبارات أو الحصول على وظيفة. الإنسان الذي يحمل مسؤولية عامة يحتاج إلى علم، ويحتاج إلى كفاءة، لكنه يحتاج كذلك إلى وعي بطبيعة المسؤولية التي يحملها، وإلى قدر من الاتزان يجعله قادرًا على التعامل مع الآخرين دون استعلاء أو غرور.
ومن أخطر صور الاستعلاء أن يظن الإنسان أن وظيفته تمنحه قيمة أعلى من غيره، أو أن يرى في موقعه الوظيفي سببًا للحكم على الناس والتقليل منهم. والأمر نفسه ينطبق على الاستعلاء المرتبط بالتدين أو الشعور بالاستقامة؛ فالتدين علاقة بين الإنسان وربه، وليس رخصة تمنح صاحبها حق النظر إلى الآخرين من موقع أعلى. وقد شدد الرئيس في حديثه على هذه النقطة، مؤكدًا أن الحكم النهائي على الناس ليس للبشر.
ولأن الرئيس هو رأس الدولة، فإن مثل هذه الرسائل تكتسب وزنًا خاصًا، لكنها لا تكتمل بمجرد صدورها من أعلى الهرم. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تجد طريقها إلى كل مؤسسة وكل مستوى إداري.
من الوزير إلى المحافظ، ومن رئيس الجامعة إلى العميد، ومن رئيس الهيئة إلى مدير الإدارة، ومن المدير إلى الموظف، يجب أن يفهم الجميع المعنى نفسه: المنصب تكليف، والسلطة مسؤولية، والمواطن صاحب حق، والاحترام ليس مجاملة يقدمها المسؤول لمن أمامه.
وأتصور أن شعار «رئيسي وأفتخر» لا ينبغي أن يكون مجرد عبارة عاطفية أو هتاف يقال في مناسبة، وإنما يمكن أن يأخذ معنى أعمق بكثير؛ أن يكون الفخر بالقيادة مرتبطًا بما تضعه من قواعد للإصلاح، وبما تؤكده من قيم في إدارة الدولة، وبما تريده من مؤسسات أكثر كفاءة وانضباطًا واحترامًا للإنسان.
فالفخر الحقيقي لا تصنعه الكلمات وحدها، وإنما تصنعه الممارسة التي يراها المواطن في حياته اليومية.
عندما يدخل المواطن مؤسسة فيجد موظفًا يحترمه، ويجد نظامًا واضحًا، ومعايير واحدة تنطبق على الجميع، وقرارًا لا يتغير بتغير الأشخاص، فإنه يشعر بأن الدولة حاضرة في حياته بمعناها الصحيح.
وعندما يعرف الموظف أن كفاءته هي طريق التقدم، وأن المحاباة ليست قاعدة، وأن المسؤولية لا تعني امتلاك الناس، فإنه يعمل في بيئة أكثر قدرة على الإنجاز.
وعندما يدرك المسؤول أن منصبه لا يمنحه حق التعالي، وأنه سيحاسب على طريقة إدارته كما سيحاسب على نتائج عمله، فإن معنى السلطة يتغير من الداخل.
وهنا تحديدًا تصبح القدوة قيمة مؤسسية وليست مجرد فضيلة شخصية.
إن مصر لا تحتاج إلى مسؤول يخشاه الناس بقدر ما تحتاج إلى مسؤول يحترمه الناس. ولا تحتاج إلى مدير ينجح في إسكات من حوله، وإنما إلى قيادة تستطيع أن تسمع الرأي الآخر، وتواجه الخلل، وتستفيد من النقد، وتدفع العاملين معها إلى النجاح.
ولذلك فإن تحذير الرئيس السيسي من الاستعلاء يستحق أن يُقرأ باعتباره دعوة إلى مراجعة علاقة الإنسان بالمنصب، لا إلى الخوف من المنصب. فالوظيفة مهما علت مؤقتة، والكرسي مهما كان موقعه لا يدوم، أما أثر المسؤول في المؤسسة وفي الناس فقد يبقى طويلًا.
وهذا هو الفارق بين من ينظر إلى المنصب باعتباره امتيازًا شخصيًا، ومن يراه أمانة ومسؤولية.
وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يقال في هذا السياق هو أن الرئيس الذي يدعو إلى إصلاح مؤسسات الدولة يضع أمام كل مسؤول اختبارًا بسيطًا وصعبًا في الوقت نفسه: هل تستطيع أن تكون قدوة في المكان الذي تشغله؟
إذا كان الرئيس يطالب بإعلاء قيمة الكفاءة، فعلى المسؤول أن يضع الكفاءة فوق المجاملة. وإذا كان يحذر من الاستعلاء، فعلى المسؤول أن يراجع طريقته في التعامل مع الناس. وإذا كان يدعو إلى بناء الإنسان، فعلى كل مؤسسة أن تتعامل مع موظفيها ومواطنيها باعتبارهم بشرًا لهم حقوق وكرامة، لا مجرد أرقام في ملفات أو أسماء في كشوف.
هنا فقط يمكن أن ينتقل شعار «رئيسي وأفتخر» من مجرد تعبير عن مشاعر مؤيدة للقيادة إلى معنى أوسع يرتبط بما نريده من الدولة ومؤسساتها: رئيس يضع الإصلاح في مقدمة أولوياته، ومسؤولون يترجمون هذه الرؤية إلى سلوك، ومؤسسات تجعل احترام الإنسان جزءًا من نظام العمل، ومواطن يشعر أن كرامته مصونة بالقانون.
فالإصلاح الإداري لا يبدأ من اللوائح وحدها، ولا ينتهي عند تغيير الهياكل. الإصلاح يبدأ بالإنسان الذي يدير المؤسسة، وبالإنسان الذي يعمل فيها، وبالإنسان الذي يأتي إليها طالبًا حقًا من حقوقه.
ومن هنا تظل القدوة هي الامتحان الأصعب لكل قيادة؛ لأن الناس قد لا يتذكرون كل القرارات التي اتخذها المسؤول، لكنهم يتذكرون جيدًا كيف عاملهم، وكيف استخدم سلطته، وماذا ترك وراءه من أثر.
ولذلك فإن رسالة الرئيس السيسي بشأن الاستعلاء تفتح بابًا مهمًا أمام كل مؤسسات الدولة: أن يكون احترام الإنسان جزءًا من مفهوم السلطة، وأن يصبح التواضع في موقع المسؤولية قوة لا ضعفًا، وأن يعرف كل صاحب منصب أن قيمته الحقيقية لا يصنعها ارتفاع مقعده، وإنما ما يقدمه للوطن وما يتركه في مؤسسته وفي نفوس الناس.
وعندها فقط يصبح الفخر بالقيادة مرتبطًا بفكرة أكبر من الأشخاص والمناصب؛ فخر بدولة تتعلم، ومؤسسات تتطور، ومسؤول يعرف أن المنصب تكليف، ومواطن يعرف أن احترامه حق لا فضل لأحد عليه فيه.

