recent
عـــــــاجــــل

مجدي طنطاوي يكتب: من احتلال الأرض إلى احتلال العقول

 

# **صناعة العبودية الحديثة**

مجدي طنطاوي يكتب: من احتلال الأرض إلى احتلال العقول


مجدي طنطاوي يكتب: من احتلال الأرض إلى احتلال العقول



ليس أخطر ما عرفته البشرية أن يحتل عدو أرضًا، أو ينهب ثروة، أو يفرض هيمنته على شعب، لأن احتلال الأرض، مهما طال، إلى زوال. أما احتلال العقل، فهو الاحتلال الذي قد يمتد لأجيال، حتى يصبح الأسير حارسًا لسجانه، ومدافعًا عن قيوده، ومقاتلًا ضد كل من يحاول تحريره.

فالأرض يمكن أن تُسترد بالسلاح أو بالسياسة، أما العقل إذا استسلم، فلن يطلب الحرية؛ لأنه لن يدرك أنه فقدها.

ولهذا لم يبدأ القرآن مشروعه الإلهي بتحرير الحدود، وإنما بدأ بتحرير الإنسان، لأن الإنسان هو الذي يصنع الحضارة، وهو الذي يصنع الاستبداد، وهو الذي يبني الأوطان أو يهدمها.

ولذلك كانت أول معركة خاضها القرآن معركة الوعي، لا معركة السيف، ومعركة الفكر، لا معركة الأرض.

فالقرآن لم يطلب من الإنسان أن يصدق بلا دليل، ولم يأمره أن يتبع بلا برهان، وإنما دعاه إلى أن يفكر، ويتدبر، ويعقل، ويتأمل، فقال سبحانه:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.

وقال سبحانه:

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

وقال جل شأنه:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾.

فالعقل في القرآن ليس ترفًا فكريًا، وإنما أمانة، ومسؤولية، وعبادة. ومن يعطل عقله، يعطل أعظم نعمة منحها الله للإنسان.

ولهذا وصف الله الذين يرفضون التفكير بأشد الأوصاف، فقال سبحانه:

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

ولم يقل: الذين لا يعلمون، بل قال: الذين لا يعقلون، لأن العلم بلا عقل قد يتحول إلى أداة للضلال، أما العقل فهو الذي يميز بين الحق والباطل.

إن صناعة العبودية الحديثة لا تبدأ بالسجون، ولا بالدبابات، وإنما تبدأ بإلغاء السؤال، وتحريم التفكير، وتجريم النقد، حتى يتحول الإنسان إلى نسخة مكررة، لا ترى إلا ما يراه غيرها، ولا تسمع إلا ما يريد الآخرون لها أن تسمعه.

ومن هنا كان التقليد الأعمى أخطر أسلحة الاستعباد.

فالقرآن يكشف هذا المرض القديم الذي أسقط أممًا كثيرة، فقال سبحانه:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.

وفي آية أخرى:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.

وهكذا يتحول كلام البشر، والتأويل، إلى صنم، ويصبح السؤال جريمة، ويصبح التفكير خيانة، ويولد جيل يحمل الأفكار كما يحمل الحمار الكتب، دون أن يدرك حقيقتها.

قال سبحانه:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.

إن القرآن لا يدين الجهل وحده، وإنما يدين العلم الذي لا يتحول إلى وعي، ولا إلى عمل، ولا إلى فهم.

ولهذا لم يجعل الله النجاة لمن أكثر الحفظ، وإنما لمن أحسن التدبر.

إن الأمم لا تنهزم عندما تخسر معركة، وإنما تنهزم عندما تفقد قدرتها على التفكير الحر، وعندما يصبح الكذب حقيقة لأنه تكرر كثيرًا، ويصبح الباطل دينًا لأنه ورث عن الآباء، ويصبح المستبد مصلحًا لأنه امتلك أدوات الإعلام.

إن أخطر ما يصيب الإنسان أن يفقد استقلاله الفكري، فيظن أنه حر، وهو لا يملك حتى حق السؤال.

ولهذا أعلن القرآن أن الحرية تبدأ من تحرير العقل، فقال سبحانه:

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

فالإنسان المؤمن لا يخاف من سماع الآراء المختلفة، لأنه يملك ميزان الحق الذي يزن به كل قول، أما المستعبد فكريًا فإنه يخشى السؤال، لأنه يعلم أن بنيانه يقوم على الوهم.

ولهذا نهى الله عن اتباع الظن، فقال سبحانه:

﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.

ونهى عن الانسياق خلف الأكثرية إذا خالفت الحق، فقال سبحانه:

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

إن كثرة الأتباع ليست دليلًا على صحة الفكرة، وإنما الدليل هو البرهان.

ولهذا جعل القرآن الميزان هو العلم، والعقل، والدليل.

إن مشروع القرآن ليس إقامة إنسان مطيع للبشر، وإنما إقامة إنسان خاضع لله وحده، لا يركع لعقل بشر، ولا يخضع لقداسة الأشخاص، ولا يمنح أحدًا حق الوصاية على فكره.

قال سبحانه:

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾.

ولهذا كانت رسالة جميع الأنبياء تحرير الإنسان من عبودية الإنسان.

فالذي يخضع لله وحده لا يمكن أن يستعبده بشر، أما الذي يعطل عقله، فإنه يفتح أبواب العبودية على نفسه، وإن ظن أنه يعيش في أوسع مساحات الحرية.

إن الحضارات لا تُبنى بالمال وحده، ولا بالسلاح وحده، وإنما تُبنى بعقول حرة قادرة على الإبداع، والاجتهاد، والنقد، والتجديد.

ولهذا فإن الأمة التي تحرر عقلها تستطيع أن تستعيد أرضها، وتصنع مستقبلها، أما الأمة التي يبقى عقلها أسيرًا، فلن ينفعها امتلاك الثروات، ولا كثرة العدد.

لقد أراد الله للإنسان أن يكون خليفة في الأرض، لا تابعًا ذليلًا، فقال سبحانه:

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

ولا يكون الإنسان خليفة وهو فاقد لإرادته، أو مسلوب الفكر، أو مستسلم للخرافة.

إن أخطر استعمار في التاريخ ليس الذي يرفع رايته فوق الأرض، وإنما الذي يرفع رايته داخل العقول، لأن احتلال الأرض ينتهي بالتحرير، أما احتلال العقول فلا ينتهي إلا بالعودة إلى كتاب الله، الذي جعل أول طريق الهداية أن يعقل الإنسان، وأن يتدبر، وأن يتحرر من كل قيد إلا قيد الحق.

وهنا تبدأ الحرية الحقيقية، ويبدأ ميلاد الإنسان من جديد، وتبدأ نهضة الأمم التي أرادها الله أمة شاهدة على الناس، لأنها تحررت بالعقل قبل أن تتحرر بالسلاح، وبالقرآن قبل أن تنتصر بالقوة.

قال سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

فالتغيير يبدأ من العقل، وينتهي إلى الحضارة، ومن الفكر يولد المستقبل، ومن القرآن يولد الإنسان الحر، الذي لا يصنع عبودية جديدة، بل يصنع أمة تعرف ربها، وتعمر أرضها، وتحفظ كرامة الإنسان.


google-playkhamsatmostaqltradent