تصوير الزيارات الميدانية بين التوثيق المشروع واستنزاف الإنجاز
بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد علي درويش
لم تعد الصورة مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل صارت في أحيان كثيرة محور الحدث ذاته، ومع ذلك لا خلاف على أن إطلاع الناس على ما يجري في مواقع العمل حق أصيل، وأن كشف ما يتم إنجازه على الأرض يعزز الثقة ويقرب المسافة بين المسؤول والمواطن. غير أن الإشكال يبدأ حين تنقلب الوسيلة إلى غاية، وحين يُستنزف وقت وجهد الجهاز الإداري في مشهد توثيقي يتقدم على جوهر المهمة.
القضية لا تتعلق بوجود عدسة ترصد، بل بكيفية حضورها، فهناك زيارات ميدانية تتحول إلى استعراض طويل، تتعدد فيه اللقطات وتطول فيه الوقفات، بينما الغاية الأولى من النزول إلى الشارع هي ملامسة الواقع، والإصغاء للناس، واتخاذ قرار واضح يعالج الخلل ويتبعه تنفيذ فعلي.
المواطن، في نهاية المطاف، لا ينتظر صورة يتداولها، بل نتيجة يلمسها. من يعاني من طريق متهالك، أو انقطاع مياه، أو تعثر خدمة، لا يعنيه عدد الصور بقدر ما يعنيه جواب صريح: متى تُحل المشكلة؟ ومن يتابع؟ ومتى يرى التغيير؟ معيار النجاح هنا ليس ما يُنشر، بل ما يُنجز، وما يُتابَع حتى يكتمل.
ومن المشاهد اللافتة التي تفرض إعادة التفكير، ذلك الحشد الكبير من المرافقين في بعض الجولات. فإذا كانت الزيارة تستهدف موقعًا بعينه أو مشكلة محددة، فهل يتطلب الأمر هذا العدد من الحضور؟ وهل لكل من يسير في الموكب دور محدد؟ أم أن الأمر تحول إلى تقليد إداري يتكرر بلا مراجعة؟ الأجدر أن يبقى كل موظف في موقعه يؤدي عمله، بدل أن تتعطل مصالح الناس لأن عشرات تركوا مكاتبهم لمرافقة زيارة لا تحتاج إلا إلى المختصين.
الزيارة الفعالة لا تقاس بضخامة الموكب، بل بوضوح الهدف، تحتاج إلى مسؤول يعرف ما يبحث عنه، وفريق فني قادر على التشخيص، ومواطن يجد مساحة للتعبير، وقرار قابل للتنفيذ، وآلية متابعة لا تتوقف عند لحظة الانصراف، تقليل الأعداد أحيانًا يمنح الزيارة حيوية أكبر، ويتيح رؤية أدق، ويقرب المسؤول من الواقع دون حواجز.
تبقى مسألة اختيار المواقع ذات دلالة لا تقل أهمية.. فمن السهل التوجه إلى أماكن معدة سلفًا وتبدو في أفضل حال، لكن الامتحان الحقيقي يكمن في الوصول إلى الأطراف، إلى القرى والنجوع والمناطق البعيدة، حيث تختبئ مشكلات لا تظهر في التقارير. هناك، يشعر المواطن بقيمة الزيارة حين يجد من يستمع إليه وجهًا لوجه ويرى معاناته كما هي.
ليس المطلوب حجب الكاميرا أو إقصاء الإعلام، فالتوثيق جزء من الشفافية، لكن الحاجة قائمة لوضع قواعد تضبط الإيقاع، بحيث تظل الصورة تابعة للإنجاز لا بديلًا عنه. تنظيم عدد فرق التوثيق، قصر المرافقة على المعنيين، وضع برنامج واضح لكل زيارة، التركيز على النتائج في التغطية، وإصدار تقارير متابعة تعلن ما تم وما لم يتم، كلها خطوات تعيد التوازن بين الشكل والمضمون.
الفارق كبير بين زيارة تُروى في صورة، وزيارة تُحكى في أثر.. الأولى تنتهي بانتهاء اللقطة، والثانية تبقى في حياة الناس.. تطوير الأداء الإداري لا يقاس بكثرة الحضور ولا بطول المواكب، بل بقدرة المسؤول على تشخيص الداء، واتخاذ القرار، وتحريك عجلة التنفيذ حتى تكتمل الصورة الحقيقية على الأرض.
وفي النهاية، لا ينتظر المواطن أن يرى ازدحامًا خلف مسؤول، بل أن يرى أثرًا يغير يومه. فلتكن القاعدة واضحة: وثّق ما أُنجز، ولا تجعل التوثيق عائقًا أمام الإنجاز، فالصورة تنقل ما حدث، أما الفعل فيصنع ما سيحدث.
