recent
عـــــــاجــــل

ارتفاع أسعار الذهب يعيد تشكيل صناعة المجوهرات عالميًا والسوق المصرية تتجه إلى الأوزان الخفيفة

 

ارتفاع أسعار الذهب يعيد تشكيل صناعة المجوهرات عالميًا والسوق المصرية تتجه إلى الأوزان الخفيفة

ارتفاع أسعار الذهب يعيد تشكيل صناعة المجوهرات عالميًا والسوق المصرية تتجه إلى الأوزان الخفيفة


كتبت هدى العيسوى


أكدت دراسة صادرة عن مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية أن الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب بدأت تعيد رسم ملامح صناعة المجوهرات عالميًا، بعدما امتد تأثيرها من حجم المبيعات إلى تصميم المشغولات وأوزانها وطرق تصنيعها وتسويقها، فضلًا عن تغير سلوك المستهلك وأولوياته عند اتخاذ قرار الشراء.


وقال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن استمرار أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة دفع شركات ومصانع المجوهرات في عدد من الأسواق إلى تطوير تصميمات تمنح القطعة حجمًا بصريًا وجاذبية أكبر باستخدام كميات أقل من الذهب، بهدف الحفاظ على قدرة المستهلك الشرائية دون التخلي عن القيمة الجمالية والرمزية للمشغولات.


وأوضح أن ارتفاع الأسعار لم يؤد إلى اختفاء الطلب على المجوهرات، لكنه دفع المستهلكين والمصنعين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، مع تزايد الإقبال على التصميمات الخفيفة والأوزان الصغيرة والقطع العملية، بالتوازي مع استمرار الذهب في أداء دوره كوسيلة للزينة والاحتفاظ بالقيمة.


الطلب العالمي يتراجع والإنفاق يرتفع


وأظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي تراجع الطلب العالمي على المجوهرات الذهبية خلال النصف الأول من عام 2026 إلى نحو 577.9 طن، مقابل 728.9 طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بانخفاض يقارب 21%.


ورغم تراجع الكميات المباعة، ارتفعت قيمة الإنفاق العالمي على المجوهرات الذهبية إلى نحو 86 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بنحو 71 مليار دولار خلال الفترة المقابلة من 2025، بزيادة بلغت نحو 22%.


وتكرر هذا التباين خلال الربع الأول من العام، إذ انخفض الطلب العالمي على المجوهرات بنسبة 23% إلى نحو 299.7 طن، بينما ارتفعت قيمة الإنفاق بنسبة 31% لتسجل نحو 47 مليار دولار، وهو أعلى مستوى إنفاق يسجل خلال أي ربع أول.


وأكد فاروق أن هذه الأرقام تكشف الفارق بين قيمة المبيعات وحجم الطلب الفعلي، موضحًا أن ارتفاع سعر الجرام ومتوسط قيمة الفاتورة قد يدفع الإيرادات إلى الارتفاع، رغم انخفاض كمية المشغولات المباعة.


الميزانية أولًا في قرار الشراء


وأشارت الدراسة إلى تغير واضح في طريقة اتخاذ المستهلك قرار شراء الذهب، فبعدما كان يبدأ اختياره من نوع القطعة أو وزنها ثم يحسب التكلفة، أصبحت الميزانية المحددة هي نقطة البداية في ظل ارتفاع الأسعار.


وأوضح فاروق أن المستهلك أصبح يبحث عن أفضل تصميم يمكن الحصول عليه في حدود المبلغ المتاح لديه، وهو ما يدفعه إلى اختيار خواتم أو سلاسل أو أساور بأوزان أقل مقارنة بما كان يشتريه سابقًا.


ويؤدي هذا التحول إلى تراجع الطلب على الذهب بالطن، مع استمرار حركة البيع داخل الأسواق، بما يعكس تغيرًا في طبيعة الطلب وليس اختفاء الرغبة في اقتناء المشغولات.


تصميمات أخف تحافظ على المظهر


ودفعت تكلفة الذهب المرتفعة مصانع المجوهرات إلى إعادة النظر في أساليب التصميم والتصنيع، من خلال تقليل الوزن مع الحفاظ قدر الإمكان على الحجم الظاهري وجاذبية القطعة.


وتشمل هذه الاتجاهات زيادة الاعتماد على المشغولات المجوفة والمفرغة، وتقليل سمك بعض الأجزاء، وإعادة توزيع الذهب داخل التصميم، إلى جانب استخدام تقنيات تصنيع تتيح إنتاج قطع تبدو كبيرة نسبيًا بينما تتميز بخفة الوزن.


وأشار فاروق إلى أن المنافسة لم تعد تعتمد فقط على سعر الجرام، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة المصنع على تقديم قطعة تجمع بين الجاذبية والمتانة والوزن والسعر المناسب.


وأضاف أن استمرار أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة قد يحول الاتجاه نحو المشغولات خفيفة الوزن من استجابة مؤقتة إلى تحول طويل الأجل في صناعة المجوهرات، خاصة مع تزايد اهتمام الأجيال الجديدة بالقطع البسيطة والعملية القابلة للاستخدام اليومي.


السوق المصرية تواكب التحول العالمي


ولم تكن السوق المصرية بعيدة عن هذه التطورات، حيث أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي تراجع الطلب على المشغولات الذهبية في مصر خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 10 أطنان، مقابل 11.5 طن خلال الفترة نفسها من 2025، بانخفاض سنوي بلغ نحو 13%.


ويرى مرصد الذهب أن تراجع الطلب بالوزن لا يعني توقف المصريين عن شراء المشغولات، وإنما يعكس تغيرًا في طبيعة المشتريات، مع اتجاه شريحة متزايدة إلى قطع أخف تتناسب مع قدراتها الشرائية.


وقال فاروق إن خصوصية السوق المصرية تكمن في تعدد وظائف الذهب، إذ يجمع بين كونه وسيلة للزينة والاحتفال والمناسبات، وأداة للاحتفاظ بالقيمة، وهو ما يدفع المستهلك إلى إعادة توزيع ميزانيته بين المشغولات والسبائك والجنيهات الذهبية.


أوزان شديدة الخفة تدخل سوق المشغولات


وبرز اتجاه الأوزان الصغيرة بصورة أكثر وضوحًا في السوق المصرية، مع طرح مصانع وتجار مشغولات بتصميمات خفيفة تستهدف المستهلكين الراغبين في اقتناء الذهب بميزانيات محدودة.


ووصلت بعض التصميمات إلى وزن جرام واحد فقط، بعدما شهد السوق المصري خلال فبراير 2026 طرح دبل من عياري 18 و21 بهذا الوزن، في محاولة لتوفير مشغولات ذهبية بتكلفة أقل وتحفيز الطلب.


وامتد الاتجاه إلى السلاسل والقطع الصغيرة والتصميمات الخفيفة، بما يتيح للمستهلك الاحتفاظ بفكرة اقتناء الذهب مع تقليص حجم الإنفاق.


وعلى المستوى العالمي، رصد مجلس الذهب العالمي اتجاهًا مشابهًا في عدد من الأسواق، حيث اتجه المستهلكون إلى قطع أصغر وأخف وزنًا لمواجهة ارتفاع الأسعار.


وأصبح التصميم والحجم البصري والقدرة على تحويل كمية محدودة من الذهب إلى قطعة جذابة عوامل أكثر تأثيرًا في المنافسة، بعدما كان وزن الذهب يمثل عنصرًا رئيسيًا في تحديد قيمة المشغولات.


المشغولات تنافس السبائك على ميزانية المستهلك


ولا يقتصر تأثير ارتفاع الأسعار على سوق المجوهرات، بل يمتد إلى العلاقة بين المشغولات والسبائك والعملات الذهبية، في ظل إعادة المستهلك ترتيب أولوياته وفق الغرض من الشراء.


فالمستهلك الباحث عن الزينة يهتم بالتصميم والجودة والشكل، وقد يكون مستعدًا لتحمل جزء من تكلفة المصنعية مقابل الحصول على قطعة قابلة للاستخدام، بينما يركز الباحث عن الادخار والاستثمار على الوزن وسهولة إعادة البيع وانخفاض المصنعية، ما يدفعه إلى السبائك والجنيهات الذهبية.


وأكدت الدراسة أن ارتفاع الأسعار لم يلغ أيًا من الاتجاهين، لكنه جعل الفارق بينهما أكثر وضوحًا، خاصة مع انتشار السبائك صغيرة الأوزان التي أتاحت الادخار في الذهب أمام شرائح جديدة من المستهلكين.


فرصة جديدة أمام الصناعة المصرية


ويرى مرصد الذهب أن التحولات الراهنة تمثل تحديًا لصناعة المجوهرات، لكنها في الوقت نفسه تفتح أمامها فرصًا جديدة للتطوير، من خلال تقديم منتجات تتناسب مع مستويات الدخل المختلفة، سواء عبر الأوزان الصغيرة أو التصميمات الخفيفة أو تحسين كفاءة استخدام الذهب.


وأكد فاروق أن استمرار الأسعار المرتفعة سيجعل القدرة على إنتاج مشغولات تجمع بين التصميم الجذاب والوزن المناسب والمتانة والسعر المقبول عاملًا حاسمًا في المنافسة خلال الفترة المقبلة.


كما يمكن لتطوير تقنيات التصنيع والتصميم أن يدعم تنافسية الصناعة المصرية في الأسواق الخارجية، خصوصًا أن الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الذهب أصبحت ظاهرة عالمية تمتد آثارها إلى مختلف أسواق المجوهرات.


صناعة تعيد ترتيب أولوياتها


وخلصت الدراسة إلى أن سوق المجوهرات لا تشهد اختفاءً للطلب بقدر ما تمر بمرحلة إعادة ترتيب للأولويات، إذ يسعى المستهلك إلى الحصول على قطعة مناسبة ضمن ميزانيته، بينما يعمل المصنع على توظيف كمية أقل من الذهب لإنتاج مشغولات تحافظ على جاذبيتها وجودتها.


وبذلك، يدفع ارتفاع أسعار الذهب الصناعة إلى مرحلة جديدة تصبح فيها كفاءة استخدام المعدن والتصميم والوزن والمصنعية والقيمة التي يحصل عليها المستهلك من القطعة عناصر رئيسية في المنافسة.


أما في السوق المصرية، فإن الاتجاه نحو المشغولات الأخف والسبائك صغيرة الأوزان يعكس تحولًا في طريقة التعامل مع الذهب أكثر من كونه تراجعًا في أهميته، إذ لا يزال الذهب حاضرًا بقوة، لكن المستهلك أصبح أكثر دقة في تحديد كيفية توجيه المبلغ الذي يخصصه لشرائه.


google-playkhamsatmostaqltradent