ثقافة الصمت.. العائق الخفي أمام التقدم
بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد علي درويش
في المجتمعات التي تتطلع إلى التنمية والتقدم، لا تكون المشكلة دائمًا في نقص الإمكانات أو الموارد، بل قد تبدأ المشكلة من مكان أكثر خطورة: الخوف من الكلام، والخوف من السؤال، والخوف من إبداء الرأي.
وهنا يظهر ما يمكن أن نطلق عليه «قانون التفاهة»؛ حين يتحول الاجتماع من مساحة لصناعة القرار إلى مساحة للمجاملة، ويصبح الصمت أكثر أمانًا من الحقيقة، ويتقدم أصحاب الأصوات العالية أو الأكثر قربًا من المسؤول، بينما يتراجع أصحاب الخبرة والكفاءة خشية أن يدفعوا ثمن آرائهم.
الموظف يخشى أن يتحدث في الاجتماع حتى لا يضعه المدير في دائرة الاستهداف، والمدير نفسه قد يخشى أن يطرح رأيًا مخالفًا حتى لا يصطدم بمن هو أعلى منه، وفي النهاية يتحول الاجتماع إلى مشهد من الصمت المتبادل، بينما تُتخذ القرارات بعيدًا عن النقد الحقيقي.
وهذه ليست مجرد مشكلة إدارية؛ إنها مشكلة تنموية خطيرة.
فالتنمية لا تصنعها المكاتب المغلقة، ولا القرارات التي لا تسمع إلا صوتًا واحدًا، وإنما تصنعها الأسئلة الجريئة، والنقد المسؤول، وتعدد وجهات النظر، واحترام التخصص والخبرة.
ولنتخيل مؤسسة تعليمية تريد تطوير نظامها، فيقترح أحد المتخصصين تعديلًا جوهريًا، لكنه يصمت لأنه يعلم أن المسؤول لا يحب النقد. ثم يأتي موظف آخر بفكرة أقل قيمة لكنه يعرف كيف يجامل، فتحظى فكرته بالاهتمام. بعد سنوات، تتعثر المؤسسة، وتُهدر الموارد، ثم يبدأ البحث عن أسباب الفشل، بينما كان السبب الحقيقي موجودًا منذ البداية: لم يسمح أحد للحقيقة أن تتحدث.
والأخطر أن هذا السلوك عندما يتكرر يصبح ثقافة.
ثقافة تجعل الموظف المتميز يفضل الصمت، والمبدع يفضل الانسحاب، والخبير يكتفي بتنفيذ التعليمات، ويصبح السؤال: «ماذا يريد المدير؟» أهم من السؤال: «ما هو القرار الصحيح؟».
وهنا تبدأ المجتمعات النامية في دفع ثمن باهظ؛ لأن الابتكار يحتاج إلى بيئة آمنة للاختلاف، والتنمية تحتاج إلى عقول حرة، والإصلاح يحتاج إلى من يملك الشجاعة ليقول: هذا القرار يحتاج إلى مراجعة.
وليس المقصود أن تتحول المؤسسات إلى ساحات للصدام أو الاعتراض لمجرد الاعتراض، بل المطلوب هو بناء ثقافة مؤسسية تجعل الاختلاف وسيلة للوصول إلى الأفضل، لا جريمة تستحق العقاب.
إن المدير الناجح ليس هو الذي يجعل الجميع يوافقونه، وإنما الذي يستطيع أن يجلس أمامه فريق من المتخصصين، فيسمع منهم ما لا يريد سماعه، ثم يزن الآراء بالعلم والمنطق والمصلحة العامة.
فحين يخاف الناس من قول الحقيقة، تبدأ المعلومات في التشوه صعودًا إلى قمة الهرم الإداري؛ وكلما ارتفع القرار إلى أعلى، أصبح أكثر انفصالًا عن الواقع.
أما حين يشعر الموظف أن رأيه محل احترام، حتى لو لم يُؤخذ به، فإن المؤسسة تكسب شيئًا أثمن من مجرد الرأي: تكسب عقلًا مشاركًا، وموظفًا مسؤولًا، وبيئة قادرة على التعلم والتطور.
إن الدول التي تريد أن تلحق بركب التقدم لا تحتاج فقط إلى مبانٍ حديثة وتكنولوجيا متقدمة، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى ثقافة تحترم الإنسان وعقله وصوته.
فالتنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح من حق الموظف أن يسأل، ومن حق الخبير أن يعترض، ومن حق المسؤول أن يراجع قراره، ومن حق الجميع أن يقولوا: «ربما نكون مخطئين.. فلنبحث عن الأفضل.»
وهنا يصبح الاختلاف قوة، والنقد حماية، والاجتماع ورشة لصناعة المستقبل، لا مسرحًا لتبادل المجاملات.
الخلاصة:
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع ليس أن توجد أفكار خاطئة، وإنما أن تختفي الأفكار الصحيحة خوفًا من قولها.
فحين يصمت الأكفاء ويتصدر غير الأكفاء، لا تتراجع مؤسسة واحدة فقط؛ بل تتراجع معها فرص الإصلاح والابتكار والتنمية.
ولهذا فإن مواجهة «قانون التفاهة» تبدأ بكسر حاجز الخوف، وبناء مؤسسات لا تعاقب صاحب الرأي، بل تحاسب صاحب التقصير؛ مؤسسات يكون فيها الولاء للحقيقة والمصلحة العامة قبل الأشخاص.
فالأمم لا تتقدم عندما يتحدث الجميع بصوت واحد، وإنما عندما يختلفون بأدب، ويتناقشون بعلم، ثم يتفقون على ما يخدم المستقبل.
