خبير ذكاء اصطناعي لـ"صدى الأمة": التقنيات الرقمية تحاصر شبكات الاتجار بالبشر وتكشف تحركاتها
الأستاذ الدكتور هشام نبيه المهدي: الذكاء الاصطناعي يدعم جهود إنقاذ الضحايا وحماية حقوقهم
حوار - فتحية حماد
تعد جريمة الاتجار بالبشر من الجرائم العالمية المنظمة التي تقوم على استغلال الإنسان كسلعة تباع وتشترى سواء في التسول للأطفال أو تجارة الأعضاء أو استخدامهم في الأعمال غير الأخلاقية من خلال تجنيد الأشخاص أو نقلها باستخدام القوة أو أو الخدعة أو الإكراه ،وقد أطلقت في مصر حملات "معاً ضد الاتجار بالبشر" للتوعية بتداعيات ومخاطر الاتجار بالبشر ومع التقدم التكنولوجي واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في كافة المجالات استطاع الخبراء استخدام هذه التطبيقات في مكافحة عملية الاتجار بالبشر فتُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد كأداة قوية في مكافحة جريمة الاتجار بالبشر، التي تشكل أزمة حقوق إنسان عالمية معقدة ومتطورة. تُساعد هذه التقنيات في مواجهة أساليب المجرمين التي أصبحت رقمية بشكل متزايد، وذلك من خلال تعزيز قدرات جهات إنفاذ القانون والمنظمات غير الحكومية على عدة مستويات رئيسة.
وللمزيد من معرفة أساليب مكافحة الاتجار بالبشر باستخدام الذكاء الاصطناعي كان لنا هذا الحوار الخاص مع الأستاذ الدكتور هشام نبيه المهدي أستاذ الوسائط المتعددة والوكيل السابق لكلية الحاسبات والمعلومات جامعة القاهرة والذي أكد على أن هناك العديد من المجالات الرئيسة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الاتجار بالبشر هي:
أولاً: كشف الشبكات وتحديد الضحايا
أشار المهدي إلى أن الذكاء الاصطناعي يتفوق في تحليل كميات هائلة من البيانات لا يستطيع البشر معالجتها يدوياً، مما يكشف عن أنماط وعلاقات خفية.
ثانياً تحليل الإعلانات عبر الإنترنت
تستخدم أدوات مثل Traffic Jam وSpotlight تقنيات معالجة اللغة الطبيعية (NLP) لمسح ملايين الإعلانات على الويب المفتوح، وفك تشفير الكلمات والعبارات والرموز التعبيرية المشفرة التي يستخدمها الجناة للإعلان عن ضحاياهم.
ثالثاً : التعرف على الصور والوجه
تساعد شبكات التعلم العميق (CNN) في تحليل الصور ومقاطع الفيديو، بما في ذلك لقطات الأقمار الصناعية، لتحديد مواقع العمل القسري أو أنشطة التهريب. كما تُستخدم لتقدير عمر الأطفال المفقودين في الصور للمساعدة في التعرف عليهم عبر فجوات زمنية.
رابعاً : التحليلات التنبؤية
يمكن للذكاء الاصطناعي بناء نماذج للتنبؤ بالمناطق عالية الخطورة وطرق التهريب المحتملة من خلال دمج بيانات متعددة (مثل التقارير المالية، وبيانات الهجرة، والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية)، مما يسمح بتوجيه الموارد بشكل استباقي.
خامساً : دعم التحقيقات وبناء الأدلة
تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتحويل البيانات الأولية الفوضوية إلى معلومات استخباراتية قابلة للتنفيذ للمحققين.
سادساً: محركات البحث الاستخباراتية
طورت أنظمة مثل DIG (Domain-Specific Insight Graphs) التي استخدمتها أكثر من 200 وكالة إنفاذ قانون أمريكية، قواعد معرفية ضخمة (تضم أكثر من 100 مليون إعلان و2 مليار حقيقة) تسمح للمحققين بالبحث عن أرقام هواتف أو عناوين بريد إلكتروني أو مواقع ورؤية علاقاتها بشبكات إجرامية أوسع، مما يختصر أشهراً من العمل اليدوي إلى أيام أو ساعات.
سابعاً : الحفاظ على الأدلة
صُممت هذه الأنظمة لحفظ الإعلانات حتى بعد حذفها من الإنترنت، مما يضمن توفر الأدلة الرقمية للاستخدام في الإجراءات القانونية، وهو ما ساهم في تحقيق إدانات موثقة.
الوقاية وتحليل الأسباب الجذرية
أكد دكتور هشام المهدي أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم ليس فقط للتفاعل مع الجريمة، بل لفهم أسبابها ومنعها من خلال :
تحديد الدوافع الهيكلي حيث طوّرت منظمة Polaris، التي تدير الخط الساخن الوطني لمكافحة الاتجار بالبشر في الولايات المتحدة، نموذجاً للذكاء الاصطناعي يحدد الدوافع الهيكلية للاتجار، مثل فقر الأطفال، مما يسمح لصانعي السياسات باختبار كيف يمكن لتغييرات في السياسات الاجتماعية أن تقلل من خطر الاستغلال قبل حدوثه.
تحديات واعتبارات أخلاقية رئيسة
أشار المهدي إلى أنه على الرغم من الإمكانيات الهائلة، فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي في هذا المجال الحساس يثير تحديات جدية يجب التعامل معها بحذر لضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي من خلال:
التحيز الخوارزمي: تتعلم نماذج الذكاء الاصطناعي من البيانات التاريخية، والتي غالباً ما تعكس تحيزات مجتمعية تجاه مجموعات معينة (مثل الأقليات)، مما قد يؤدي إلى ضعف دقة النظام في تحديد الضحايا من الفئات الأكثر عرضة للخطر، وهو تناقض خطير.
خصوصية البيانات وحمايتها: تتعلق القضية الأكثر حساسية بجمع وتحليل البيانات الشخصية للضحايا المحتملين. يجب تصميم الأنظمة مع مراعاة الخصوصية منذ البداية ("Privacy by Design")، من خلال تقنيات مثل إخفاء الهوية، والتشفير، وضوابط الوصول الصارمة، لضمان عدم إعادة إيذاء الناجين أو انتهاك كرامتهم.
الشفافية وإمكانية التفسير: في السياقات القانونية، من الضروري أن تكون قرارات الذكاء الاصطناعي قابلة للتفسير (Explainable AI) حتى يثق بها المحققون والقضاة وهيئات المحلفين. يجب أن تفهم الجهات المعنية كيف ولماذا توصل النظام إلى نتيجة معينة لضمان المساءلة.
الاستخدام المزدوج: يستخدم الجناة أنفسهم الذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق جرائمهم، مثل إنشاء إعلانات وظائف مزيفة واقعية، واستهداف الفئات الضعيفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتوليد هويات مزيفة لعمليات احتيال عاطفي، مما يزيد من تعقيد جهود المكافحة.
واستطرد المهدي قائلاً: أن هناك أبحاث أكاديمية حديثة أكدت على أهمية تطوير أطر ذكاء اصطناعي تراعي الخصوصية والاعتبارات الأخلاقية عند تطبيقها في سياقات مثل شمال أفريقيا، مع التركيز على قابلية التشغيل البيني للبيانات عبر الحدود الوطنية لدعم الجهود الإقليمية المنسقة.
توصيات للمضي قدماً
أشار المهدي إلى أنه للاستفادة من إمكانيات الذكاء الاصطناعي في مكافحة الاتجار بالبشر بشكل فعال وأخلاقي يجب عمل الآتي:
1. اعتماد نهج يركز على الناجين: يجب أن يكون تصميم وتنفيذ أي نظام تكنولوجي موجهاً باحتياجات وكرامة الناجين، ويضمن موافقتهم وحماية بياناتهم.
2. بناء شراكات متعددة القطاعات: النجاح يتطلب تعاوناً وثيقاً بين جهات إنفاذ القانون، والمنظمات غير الحكومية، وشركات التكنولوجيا، والباحثين الأكاديميين، وصناع السياسات لضمان تكامل الأنظمة وتبادل المعلومات بشكل آمن ومواكبة تطور تكتيكات المجرمين.
3. تطوير أطر قانونية وتنظيمية: يجب على المشرعين وضع قوانين ولوائح تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي، لتحقيق التوازن بين فعالية الأدوات الأمنية وحماية الحقوق المدنية والخصوصية.
4. الاستثمار في التدريب: يجب تدريب المحققين والعاملين في مجال حماية الضحايا على استخدام هذه الأدوات بفعالية وفهم حدودها، لأن الذكاء الاصطناعي هو أداة مساعدة، وليس بديلاً عن الحكم البشري والخبرة.
كذلك ضرورة تلافي نشر فيديوهات وصور عائلية وتسجيلات صوتية للأسر على وسائل التواصل الإجتماعي.
ضرورة وجود كلمة سر لكل أسرة لاستخدامها لمنع قضايا الانتحال واستخدامها لمنع الاحتيال والنصب عبر وسائل التواصل والفيديو كونفرانس خاصة.

