recent
عـــــــاجــــل

سردية العنوان في ديوان «عناق الدارين» للشاعرة سهير إدريس.. دراسة في ضوء نظرية العتبات النصية

سردية العنوان في ديوان «عناق الدارين» للشاعرة سهير إدريس.. دراسة في ضوء نظرية العتبات النصية

 

سردية العنوان في ديوان «عناق الدارين» للشاعرة سهير إدريس.. دراسة في ضوء نظرية العتبات النصية


 كتب د. سعيد محمد المنزلاوي


إطلالة

يقدم ديوان "عناق الدارين" للشاعرة الدكتورة سهير إدريس تجربة شعرية تمزج بين الوجع الإنساني والبحث عن المعنى، خلال رحلة ذاتية تنتقل فيها الشاعرة بين الخراب والبناء، بين الفقد والعناق، بين "الدار" الدنيا و"الدار" الآخرة. 

تعتمد هذه الدراسة المنهج الموضوعي الأسلوبي في تتبع أهم المحاور التي شغلت النص الشعري، مع الوقوف عند صدى العنوان في بنية الديوان.

تمهيد

لا يأتي العنوان في هذا الديوان بوصفه تسمية خارجية يقتصر دوره على تعريف المتلقي بالنص، وإنما يتحول إلى عتبة مولِّدة لدلالات، مثل: العناق، واللقاء، والفراق، والحنين، والأنين، والتيه، والأهواء، والروح، والمكان، والتحول، والبحث عن الذات، ومن ثم يمكن النظر إلى العنوان بوصفه بؤرة دلالية تتشعب منها خيوط التجربة الشعرية.

أولًا: العنوان بوصفه عتبة مولِّدة للدلالة

يُعد عنوان الديوان أول مداخل المتلقي إلى عالمه الشعري؛ فهو يضع أمام القراءة إشارة أولى، لا تكتمل دلالتها إلا بعد الدخول إلى النصوص. ومن هنا لا ينبغي قراءة «عناق الدارين» بمعزل عن القصائد التي يضمها، بل ينبغي العودة من العنوان إلى المتن، ثم من المتن إلى العنوان؛ لأن العلاقة بينهما علاقة جدلية تقوم على الإضاءة المتبادلة.

ويتكون العنوان من تركيب إضافي: «عناق الدارين»؛ فـ«العناق» يحيل في دلالته الأصلية إلى الالتقاء والاحتضان والتقارب، بينما تفتح كلمة «الدارين» مجالًا دلاليًّا قائمًا على التثنية، بما تحمله من إيحاء بوجود طرفين أو فضاءين أو حالتين. ومن ثم ينشأ في العنوان منذ اللحظة الأولى نوع من التوتر الدلالي بين التعدد والاتحاد: داران، لكن بينهما عناق؛ مسافتان، لكن بينهما اتصال؛ طرفان، لكنهما يدخلان في فعل واحد هو العناق.

ثانيًا: عتبة الاستهلال ومسار الدخول إلى العالم الشعري

إذا جمعنا الخيوط السابقة أمكن النظر إلى الديوان كله بوصفه حركة دلالية تبدأ بالشتات وتنتهي بالحنين، وتتخللها محطات الصمت والتيه والبحث والفقد والتحول والعناق.

فالذات في بداية الرحلة تحاول: (لملمة شتات هويتها وبقايا الزمن».

ثم تدخل فضاء الصمت والأهواء والتيه، وتسأل عن الانتماء، وتعلن:

(لست أنا من كنت بالأمس). ثم تدخل في صراع مع الفقد والانتظار والحنين، إلى أن تصل في النهاية إلى «الحنين والأنين».

وهنا تتضح أهمية مصطلح «سردية العنوان»؛ فالمقصود ليس أن العنوان يروي قصة بالمعنى الحكائي المباشر، وإنما أن العنوان ينتج مسارًا دلاليًّا تتحرك داخله القصائد.

فـ«عناق الدارين» يحمل في داخله فعلًا وحركة وعلاقة بين طرفين، وهذه الحركة تتكرر في الديوان بأشكال مختلفة:

الذات / الآخر، الحضور / الغياب، اللقاء / الفراق، الأمل / اليأس، الحياة / الفناء، الحنين / الأنين، الأنا / الآخر.

وهذه الثنائيات لا تعمل منفردة، وإنما تتفاعل لتشكّل البنية العميقة للتجربة، فتفتتح الشاعرة ديوانها بقصيدة "طقوس عكراء" ببداية اعترافية قلقة، متسارعة الإيقاع:

)أتيْتُ على عَجَلٍ أُلَمْلِمُ هَوِيَّتي وبقايا الزَّمَنْ/  وأسطر بسجيتي أقصوصة المحن/ أشاَطر أغرودةِ عُصْفُورٍ يئن/ على أَعْتَابِ الصَّمْتِ يَمْقُتُه الأَمَلْ/  تَنْتَهك خُطُواته مَجانِيق البَلاءِ / فتَرْوي قِصَّتة على مَتْنِ الزَّمَن)

فالفعل "أتيت" والظرف "على عجل" يضعان القارئ أمام ذاتٍ تحاول جمع ما تبعثر منها قبل فوات الأوان. الأمر الذي يجعل فعل الكتابة نفسه أشبه بمحاولة لجمع ما تفرق من الذات والذاكرة والتجربة.

وكأني أستمع إلى قول الشاعر محمود درويش معبرًاعن مأزق الهوية والشتات والبحث عن الذات المبعثرة:

(أُلملمُ ما تيسّرَ من جراحاتي ومن حُلمي وأمشي فوق طيني هاربًا من طينيَ المجهولْ أنا خطأ يطاردُني.. أنا نايٌ يبحثُ عن مديحِ الغابةِ الأولى).

وفي القصيدة الثانية "الإنسانية الثملة" ترتخي الخطى، ويتحول الإيقاع من العجلة إلى التثاقل، في صورة دقيقة للبؤس الإنساني العام:

 (انكسار أصابنا/ فارتخاءٌ جال بِنا في حَوْمَةِ الانْزِواءِ/ حارَتِ الجَدْوَى/ أزَاهِدٌ في الطَّلْسِ؟/ أمْ غائص في العَناءِ؟)

الانتقال من "هويتي" المفردة إلى "أصابنا" الجمعية، هو انتقال مقصود من الذاتي إلى الجمعي.

وفي قصيدة «وخزات الصمت» تتجسد علاقة أخرى بين السكون والكلام؛ فالصمت ليس غيابًا مطلقًا، وإنما يصبح مساحة تتجمع فيها الدلالات، وتتحول فيها الرغبة في التواصل إلى «وخز» نفسي.

(عبْرَ جِمَاحِ السُّكونِ

 تَمَطَّى الحَديثُ بَيْنَنا/ تخطى قيودًا رابضة/  في عَتَامَةِ الأهْواءِ/ في جَسَامَةِ الأهْوال/ عِنْدَ حِراكِ الشِّفَاهِ بالقَرارِ/ صوبَ لِقَاءِ العُضَاةِ / لِصُنْعِ اليراعِ فَوْقَ مَحْبَرِ/ أَفْنَى روافده بِسَطْوَةِ الأَشْرَارِ)

ليبدأ بعدها الصراع المركزي في "غيمات وأهواء":

 (غَيْمةٌ تلاحق الأهوال/ تَمْخَرُ في عُبابِ وَجْدِها/ فتَهْجُرُها النَّسَمات)

وتأتي واسطة العقد في قصيدة العنوان "عناق الدارين"، فتبلغ الذروة الجمالية وتنفتح الرؤية على مشهد كوني رحب:

 (في وضح نهار/ الشَمْسٌ تتهادى بأشعَّتِها الذَّهبيَّةِ/ يتوارى الخَلْقُ مِنْ وَهْجِ ضَوْئِها/ والبَحْرُ مُتَرَفِّلٌ بأمْواجِهِ الهَوْجاءِ/ يَنْبَعث مِنْهُ خَريرٌ مُتْرَامِي الأبعادِ/ طُيُورٌ تَغْدُو خِمَاصًا وتروحُ بِطَانًا/ بِزَفَرَاتٍ تُراوِدُ المَدَى/ وأحلام تُعانِقُ الفَضَاء)

هنا يتحقق العناق: عناق الدارين - الدنيا بما فيها من هوج البحر، والآخرة بما فيها من أحلام تعانق الفضاء.

ثم تتناول الشاعرة جدلية الذات والهوية، وينشأ سؤال عن السكنى وعن الانتماء: 

(تصبب الشَّوْقُ مُدْرارًا / مُنْذُ أنْ فارَقْتَني/ فإلى أيِّ سُكْنَى أنْتَمِي؟/  كُنْتُ أشْتَم رائحة الغِيَابِ/ في حِوارِنَا الأخير)

وأبرز ملامح الديوان هو صراع الذات مع نفسها. تتكرر عبارة "لستُ أنا" كإعلان قطيعتها مع ماضيها المثقل:

(لَسْتُ أنا من كُنْتُ بالأمْسِ/ لَسْتُ أنا، ما صنعت اليأس / ولَسْتُ أنا من أطحت بالأْمَلِ/ الذي طَالَمَا حَلِمْتُ بِهِ)

ثم تشرع الذات في البحث عن المعقول:

 (عِنْدَما رَأَيْتُها تعدو/ بِخُطَى منهَكَةِ الإعْياءِ يتلعثم شروق أحقابها أدركت أنّي في طي الفقدان/ أسأل نفسي في تتابع أحداثها ما الذي أصابها؟) 

وفي تلك الرحلة، ثمة انشطار يفقد الذات كينونتها:

 (بحثت عن آثار أقدامي في بقاع تلك الأرض.. لا أثر لها تحسستُ نفسي بحثا عن الذات ومواطن الهوية فلم أجدني...)

ثم تكون على موعد مع الهموم ما بين السهد والحلم:

 (كعادتي... أتوسد مهد سهدي أرتشف عبق الصبر مكبلا ببثور من الألم/ تتوعدني الهموم بالبقاء)

ويصل هذا الصراع إلى ذروته؛ لنجد هذا القلب المكلوم وقد انشطر إلى شطرين: شطر بلا روح، وشطر يصارع :

(حقيقة أرهقني القول وأتعبني ما يحويه مكنون ذاتي من مواقف وأشخاص خارت مجاديفي وحارت تفاسيري في استيعاب ما يحدث منهم/ لقد انشطر القلب إلى شطرين شطر خامد لا روح فيه توفاه الأجل وشطر يصارع من أجل البقاء في حلبة الصراع الشرس ململما ما تناثر من بقايا الأمل)

ثم تعبر الشاعرة عن حبائل الزيف بكل أبعادها:

 (سنديان الشوق في زيف العاشقين يتأوّه بمخمصة الدنيا فوق دروب العذاب يتلو/ فرصاصة الغدر بدم الحب مبتلة تقهقه في العراء كمومس منحلة أعالمة هي بقلوب الأجنة؟ أعالمة بها؟ بريئة أم نذلة؟)

ثم تختم ديوانها بتعانق الحنين والأنين معًا: 

(عبر أسوار المحال راودني طيف بهيج عبق من الذكرى يعلو ويفيض

كان يموج بقلبي يوما نهر الحنين يعصف بموجه غبار الأنين كنتُ أحيا بأبراج الهوى وأنغام الحبيب) 

وهذه القصيدة تذكرنا بندوة الأربعاء الماضي والتي كانت نقدًا لرواية "الحزن والبهجة" للروائي السكندري تامر صلاح الدين؛ فثمة عناق في الرواية بين الحزن المرتبط بالفقد والحنين المرتبط بالتذكر، وفي هذا الديوان ثمة عناق بين الحنين والأنين (الحنين باتجاه ما غاب، والأنين صدى لذلك الغياب).

علاقة بين الرواية والديوان من ناحية، وبين قصائد الديوان مجتمعة من ناحية أخرى؛ فالعناق في كلٍّ رغبةٌ في اللقاء وخوف من الفناء، وهذا يتوافق مع ما ذهب إليه جورج لوكاتش أن: «العمل الفني الأصيل يتحرك وفق بنية ديناميكية متصاعدة؛ تبدأ من الشتات والتمزق الوجودي، لتمر عبر أتون الصراع الداخلي، وصولًا إلى لحظة التنوير والتحول»، والتي تعني هنا: العناق.

ثالثًا: صدى عنوان الديوان في المتن الشعري

وتتأكد أهمية العنوان حين نبحث عن صداه داخل القصائد. فاللفظ أو المعنى الذي يقدمه العنوان لا يختفي بعد الغلاف، بل يعود في مواضع مختلفة من المتن. والشاعرة هنا تتمثل رؤية الشاعر والناقد ت. س. إليوت أن: «الأعمال العظيمة لا تنفصل أجزاؤها، بل تتألف في شبكة عضويّة متكاملة؛ حيث يعيد النص تفسير بنيته الأولى، ويصبح المتن صدى مستمرًا للعنوان الذي يغذي نسيج القصيدة"؛ فلا يمكن النظر إلى عناوين قصائد ديوان «عناق الدارين» باعتبارها تسميات خارجية محايدة؛ إذ تنهض بوظيفة دلالية وإيحائية، وتدخل في علاقة تفاعلية مع المتن، بحيث يعيد النص إنتاج العنوان من داخله، ويمنح العنوان بدوره القارئ مفتاحًا أوليًا لتوجيه القراءة.

من أمثلة صدى العنوان في المتن:

1) غيّمات وأهواء: في السطر الأول،

 غيّمات تلاحقها الأهواء/ ربما يحيى مجون الأهواء/ تتقارب الأهواء وتتباعد الغيّمات/ تاركة رحلها في عمر الأهواء/ معتكلة هي الأهواء/ أترى الأهواء: دربة القبل؟)

2) عناق دارين: (فصعقت روحها/ وصعدت إلى روحه/  وتعانقا في مخيم الفناء) وهكذا بقية القصائد.

وتزداد قيمة هذا التكرار لأنه يعيد القارئ إلى عنوان القصيدة، فيبدو العنوان وكأنه ترك أثره داخل القصيدة، ثم جاءت القصيدة لتعيد تفسير العنوان.

ومن هنا يمكن القول إن العلاقة بين العنوان والمتن علاقة عنوان يزرع دلالة، ونص يعيد إنباتها.

رابعًا: صدى العنوان وتداخل النصوص (التناص الداخلي):

يُبرز النص ظاهرة فنية ملفتة تتمثل في تكرار العناوين وتداخل النصوص ضمن قصائد الديوان؛ فهذه الظاهرة تجعل القصائد تبدو كأنها عائلة واحدة يجمعها وشيج القربى وصلات التلاحم، ليصبح القارئ أمام قصيدة كبرى واحدة انقسمت إلى ثلاثة عشر جزءًا تفصل بينها حدود مرنة دون أن تنعزل عن بعضها.

فلفظة «التيه» والتي هي جزء من عنوان قصيدة بحور التيه لا تبقى محصورة في العنوان، وإنما تمتد إلى نصوص أخرى، فتظهر في سياقات تتصل بالضياع والبحث والاضطراب النفسي. 

فتأتي في قصيدة «وخزات الصمت» (بحضن التيه والانطوائية)

وفي قصيدة «البحث عن المعقول»:

(كنت أنزوي في أحضان المنية والتيه يصارع أنفاسي البالية)

وفي قصيدة «انتظار»: (التيه؟ هو ما هذا التناقض الذي أطاح بعقلي؟)

وتأتي ثنائية «الحنين والأنين» -وهي عنوان لقصيدة «حنين وأنين»- لتشكل مشاعر رئيسية تتوزع بانتظام على امتداد النصوص؛ فتارة تظهر مرتبطة بخريف العمر والذكريات، وتارة أخرى كأنين وطن أو شوق مغلف بدموع الهوى: فوردت كلمة «حنين» في قصيدة «طقوس عكراء»: (فربما أضناه الحنين وأثخنته المهل)، وفي «بحور التيه»: (كل شيء ينبئ بحلول الخريف وعراء الحنين)، وفي «السهد والحلم»: (حنين وذكريات هموم وأمنيات شجون وابتسامات)، وفي «قلب مكلوم»: (وتروي الظمأ من عمق بئر جوفه حنينًا). أما كلمة «أنين» فقد وردت في «الإنسانية الثملة»: (داعمة أنا لأنين وطن زفره عناء)، وفي «السهد والحلم»: (من ليال قضيناها على فراش الأنين أنتظر أن يذرف دمع الهوى).

كما تظهر تيمة العناق: في سياقات مختلفة تمزج بين نشوة الوصال وألم العذاب. إن هذه التقنية التي انتهجتها الشاعرة، تُظهر النصوص كشبكة مترابطة من المشاعر والرؤى، حيث يخدم كل نص وجزء بناء المعمار الشعري الكلي للنص الأم.

خامسًا: التناص الخارجي (الثقافي والديني):

وتوحي شبكة الإحالات الداخلية بين عناوين القصائد ومفرداتها بأن الديوان لا يقدم نصوصًا مستقلة استقلالًا تامًا، وإنما تتجاور القصائد لتشكّل وحدة شعورية ودلالية قابلة للقراءة بوصفها بنية كلية مترابطة.

ونتذكر أشهر مقولات جوليا كريستيفا: «كل نص يتشكل بوصفه فسيفساء من الاقتباسات، وكل نص هو امتصاص وتحويل لنص آخر.»، نتذكرها، ونحن نطالع أنواع التناص في الديوان، والذي يتجلى في استدعاء الكاتبة لرموز وإشارات من التراث الديني والأدبي، مثل استدعاء قصة يوسف عليه السلام لإسقاطها على الواقع النفسي والدرامي، مثل توظيف قصة يوسف عليه السلام في قولها:

(فإذا كان قميصك قُدَّ من قُبل فكيف أكون أنا الجاني؟ / وإذا كان قُدَّ من دبر فهذا ذنب أهوائي(

والتناص المركب (قرآني + شعري): في قولها "ومثارُ النقعِ يعتلي باسقًا" فهي تستدعي {فأثرن به نقعًا} و {والنخل باسقات}، وتتماس في الوقت نفسه مع بيت بشار بن برد الشهير:

(كأن مثارَ النقعِ فوق رؤوسنا    وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه)

وهو تركيب يستدعي أجواء لغوية من القرآن الكريم والشعر العربي القديم، ولا سيما في الجمع بين «النقع» و«الباسقات»، فضلًا عن التقاطع مع بيت بشار بن برد المعروف في وصف النقع والسيوف.

ومن هنا يمكن وصل التناص بعنوان الديوان؛ فالعنوان نفسه يقوم على ثنائية، بينما تعمل الإحالات التراثية على إقامة حوار بين حاضر النص وماضٍ ثقافي يستحضره.

سادسًا: تآلف الصور غير المتآلفة (الانزياح الدلالي):

نجد في الديوان صورًا تعتمد على الانزياح الدلالي، كقولها: «نقيق الحزن»، وهي صورة غير مألوفة فيها خرق متعمد للمألوف اللغوي يولد طاقة جمالية ودلالية جديدة. فأن تُنسب صفة حسية أو صوتية لكينونة معنوية (مثل تحويل المجرد إلى ملموس) فهذا هو جوهر الشعرية الحديثة، على حد تعريف اللساني والناقد جان كوهن في بلاغة الشعر. فقد أحدثت مفارقة دلالية عبر ربط صوت النقيق (المرتبط بالضفادع) بالحزن، مما يمنح الحزن ثقلًا وتكرارًا يروح على النفس ولا يفارقها.

وهي هنا تتفوق على الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في قصيدته «مدينة بلا صوت» حين جسد الألم بصورة حسية مباغتة: (تتخبط الأقدام في طين الشوارع، والمصابيح الحزينة تبكي.. وينشج في الزوايا صمتُها المفزوع)، وتتطابق روحيًا مع قول أمل دنقل في تجسيد الموت والوجع ككائنات حية تنطق: (الباب يخفق والرياح تئن.. والموتى يعودون).

إن تحول الحزن في قصيدة سهير إدريس من معنى داخلي غير مسموع إلى كائن له صوت، يجعل الألم قادرًا على إصدار ضجيجه الخاص، مما يمنح القصيدة حيوية تنقل المتلقي من مجرد الاستماع إلى المعايشة البصرية والنفسية.

سابعًا: تعدد القراءات التأويلية:

استنادًا إلى مقولة فولفغانغ إيزر الشهيرة: «القصائد نسيج فضفاض يتسع للقراءات المتعددة والتأويلات المتباينة»، نأخذ مثالًا لذلك قصيدة «طقوس عكراء» التي تتيح إمكانات تأويلية متعددة، مما يؤكد أصالة الشعر وثراءه:

القراءة الصوفية: تمثل مقامات السالك إلى الله؛ فقولها

 (أتيتُ على عجل ألملم شتات هويتي) 

هو مقام التجرد وقطع العلائق، و«طقوس عكراء» هي مجاهدة النفس في طريقها إلى الله (المجاهدة، والوجد، والفناء، والبقاء)، لتجسد حالة المريد الذي تجرد عن علائق الدنيا قاصدًا حضرة القدس.

القراءة النفسية: تعبير عن الشتات النفسي والاغتراب، حيث تصبح الهوية شيئًا ماديًا مبعثرًا يحتاج إلى لملمة، وتعكس الألفاظ حالة تمزق داخلي تحاول الشاعرة جمعه بعجالة، ليعكس شعورًا نفسيًا حادًا بالغربة والضياع.

القراءة الدرامية: تظهر في القصيدة حركة بين أفعال متتابعة تمنح النص طاقة درامية حية: المجيء، واللملمة، والتنهد، ومواجهة العناء، واستحضار الزمن؛ ليصبح النص مشهدًا داخليًا تتحرك فيه الذات بين حالات نفسية متتابعة.

وهذا التعدد في القراءة لا يضعف النص، وإنما يكشف عن طاقته الإيحائية العميقة.

الخاتمة:

لا يقف العنوان في «عناق الدارين» خارج الديوان بوصفه بطاقة تعريفية، بل يتسرب إلى داخله عبر شبكة من المفردات، والثنائيات، والصور، والإحالات، حتى يبدو الديوان كله رحلةً من التفرق إلى محاولة العناق، ومن سؤال الذات إلى البحث عن موطنها، ومن ألم الفقد إلى استعادة معنى الوصال.

«لقد بدأ الديوان بعنوان، وانتهت القراءة إلى اكتشاف أن العنوان كان، منذ البداية، يحمل خريطة الديوان كل». 


google-playkhamsatmostaqltradent