recent
عـــــــاجــــل

شجون الذاكرة وبهجة البراءة.. قراءة نقدية في فصول رواية "الحزن والبهجة" لتامر صلاح الدين

 

شجون الذاكرة وبهجة البراءة.. قراءة نقدية في فصول رواية الحزن والبهجة لتامر صلاح الدين

شجون الذاكرة وبهجة البراءة.. قراءة نقدية في فصول رواية "الحزن والبهجة" لتامر صلاح الدين


 كتب د. سعيد محمد المنزلاوي الأربعاء 

تمهيد

تقوم هذه الرواية بصورة أقرب على: (ذاكرة، مكان، عائلة، موت، أشياء، أشخاص، استدعاءات كثيرة جدًا، تأمل).

ولهذا نجد عشرات الوقائع الصغيرة التي تستعرض فيها الرواية ذكريات الطفولة والمحيط الأسري في الإسكندرية خلال حقبة السبعينيات، متناولة تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات العائلية المعقدة بين الخالات والأخوال، والمدارس (مثل كلية سانت جوزيف ومدرسة جرين)، فضلاً عن حضور الموروث الشعبي ومعتقدات الجان والقرين بأسلوب سردي دافئ وذكريات مشبعة بالحنين، وكلها جميلة في ذاتها، لكن ليست كلها ضرورية روائيًا؛ لأن الأحداث لا تتولد غالبًا من أحداث سابقة؛ وإنما تتولد من التداعي، حيث جعل الطعام والملابس والأثاث والروائح والأصوات حوامل للذاكرة؛ ما يجعل القارئ يشعر أحيانًا بأنه يقرأ ألبوم ذكريات ضخمًا لا رواية ذات مسار درامي متصاعد. فهي إذن رواية سيرة ذاتية، أكثر من كونها رواية حدث تقليدية. ولأن الرواية سرد سيري، وفقط، فهي في مواضع كثيرة لا تتقدم، وإنما تتذكر. 

العنوان

يتمثل في تلك الثنائية الشعورية (الحزن والبهجة)؛ حيث يجمع العنوان بين متناقضين (الحزن والبهجة)، وهو ما ينعكس على بنية السرد، ويتبادلان معًا السيطرة على مشاعر الشخصيات. والبدء بالحزن ثم العطف بالبهجة، يجعل للحزن الهيمنة والسيطرة، بل والسَطوَ على البهجة؛ ليختلس منها أثمن لحظاتها؛ فتبدأ الرواية بظلال داكنة من الحزن والغيوم إثر وفاة الوالد، لتفرض الموتى حضورها الطاغي على مطلع القصة. ولا يتوقف الحزن عند البداية، بل يختتم العمل أيضًا بوفاة الأم، وكأن الرواية بأسرها محصورة بين دفتي الحزن (بداية ونهاية).

ورغم هذا الثقل، تتسلل لحظات البهجة والذكريات الدافئة لتضيء عتمة السرد؛ حيث يأتي الموت معادلًا موضوعيًّا للحزن والبهجة معًا، حيث يتم استدعاؤه عن طريق التذكر وهو ما يعادل البهجة، ما يجعل العنوان حاضرًا ومهيمنا بين ثنايا النص من مبدئه إلى منتهاه. فيتحول الموتى إلى حضور دائم في وعيه. وهذا من حسنات الكاتب.

والرواية في مجملها قائمة على ثنائيات، بدءًا من عتبة العنوان، وحتى النهاية، فنجد ثنائية: الموت، والحياة/ الفقد، والذكرى/ المرض، والعافية/ الخوف، واللعب/ الدموع، والضحك/ الدين، والخرافة/ البيت، والعالم/ الطفولة، والشيخوخة.

الزمن

يعتمد السرد على الاسترجاع والتذكر الدائم؛ ليتداخل الماضي بالحاضر، مع حرص شديد على توثيق الزمن بدقائقه وتفاصيله قبل أن يطويه النسيان. ويفتح السارد صندوق الأسرار العائلي ليستحضر طفولته، وعلاقاته المبكرة، وصورة الوالدين والأقارب بصدق وعفوية شديدة تلامس الوجدان. ما يجعلها أقرب إلى السيرة الذاتية للكاتب. وتدور الأحداث في مدينة الإسكندرية خلال حقبة السبعينيات، مستعيدةً الأجواء المكانية الخاصة لتلك الفترة (مثل الشوارع، البيوت القديمة، المدارس، والبحر الذي يمثل خلفية وجدانية دائمة؛ فالبحر عشق الكاتب، وهو أيضًا عشق كل كاتب.

فالرواية توثيق جغرافي للمكان، في حقبة زمانية ترجع إلى ما يربو على نصف قرن. والكاتب بمثابة شاهد على العصر في تلك الحقبة الزمانية المنصرمة، حيث تتداخل الأحداث السياسية بقوة بين طيات السرد.

والزمن في الرواية ليس خطيًا. نحن أمام: زمن الحكاية + زمن التذكر + زمن الكتابة، يتأثر فيه السارد بالقرآن الكريم، فالقرآن الكريم لا يورد القصة متكاملة في سورة واحدة كسورة يوسف، وإنما تأتي قصص بقية الأنبياء كل سورة فيها لمحة أو إشارة أو حدث، وهو قد سار على هذا النهج، ففي كل مقطع من مقاطع الجزئين الأول والثاني، يحكي لمحة عن الشخصيات التي عرضها على طول الرواية، أو يعيد عرض ما مر به ولكن من خلال وجهة نظر مختلفة وبزاوية رؤية مغايرة؛ فالراوي الطفل يرى شيئًا، ثم الرجل الناضج يعود ليعيد تفسيره. ولذلك فالراوي ليس راويًا عليمًا تقليديًا، بل راو يتذكر، ويشك، ويخطئ، ويصحح نفسه، ويعيد تفسير طفولته. وهذه نقطة قوة كبيرة؛ لأننا لا نرى الحدث فقط، بل نرى كيف تغير معنى الحدث في ذهن الإنسان.

المكان

شكلت مدينة الإسكندرية مسرحًا مكانيًا متكاملًا لأحداث الرواية، بكل ما تحمله من نوعية المدارس كسانت جوزيف وجرين، تفاصيل الأكل، الأثاث، وعادات البيوت، الشوارع، والمطاعم، ثم طوافه حتى بورسعيد وحكايات عن العدوان الثلاثي؛ فهي سيرة للمكان وتوثيق لأحداث عصر منصرم مما يضفي واقعية مكانية على النص، يتحول معها المكان إلى شريك أساسي في صناعة الحدث؛ حيث تعكس أمكنة الإسكندرية في النص تحولات الشخوص؛ فالشارع والمدرسة والبيت تشهد على صعود ونفور المشاعر بين الحزن والبهجة.

" في الصف الرابع الابتدائي، لم نعد بحاجة إلى سائق وتوصيلة، فالمدرسة قريبة، في الثلث الأول من المسافة بينها وبين البيت، يقع مقر شركة والدي بحديقته المميزة ورائحة التبغ التي تفوح منه، وفي الثلث الثاني يقع بيت عمتي، وتقريبًا كل المحال والأماكن التي نمر بها يعرفنا أصحابها، عدا ذلك البواب الجلف ذي البنش الأزرق والعمامة البيضاء كثيرة التلافيف؛ كان يحرس عمارة تقف أمامها سيارة كابرس كلاسيك لبنية اللون، يلمس الأطفال مقبض الباب فينير التابلوه، كان يطاردهم، ويضرب بعضهم بعصا قصيرة غليظة، إلى أن بدأ الصغار يقذفونه بالطوب وبالحجارة، ثم جاء رجل ما وأمسكه من تلابيبه "فقعه بالروسية"، تسبب ذلك في تغيير جذري، بعدها جلس الحارس على تكة خشبية أمام باب البناية، وكل ما فعله بعد ذلك هو الابتسام وهو يستمع إلى الشتائم التي تخرق طبلة أذنه." ص33.

وذِكر الكاتب لتفاصيل الحياة اليومية، يجعل الرواية أشبه بالألبوم الفوتوغرافي، النابض بالحياة. وتحضر الإسكندرية في النصوص ليس لمجرد الديكور أو الوصف الجغرافي، بل ككائن حي يشكل وجدان الشخصيات؛ بمدارسها، شوارعها، وعالمها الساحلي الذي يطبع تفاصيل الحنين بطابع خاص. جعلنا نرى الإسكندرية القديمة رأي العين.

الشخصيات 

الشخصية الأهم هي الراوي العليم، وهو نفسه البطل، والذي يسرد الأحداث بضمير المتكلم. ويصنع بعدسته الناقلة والمحايدة التي ترصد تحولات العالم المحيط بها بكل تفاصيله؛ متشربًا تفاصيل البيئة السكندرية بحلوها ومرها. فتتلاشى الحدود بينه وبين شخوص روايته، ليصبح هو وعائلته رمزًا للإنسان المصري في صراعه بين وطأة الفقد وبهجة البقاء، ما يجعل الرواية تبدو كواحة فسيحة للتعبير عن كواليس النفس البشرية.

ويظهر السارد شخصيةً مُثقلة بتجربة الفقد والمرض، فهو مصاب بمرض في القلب، تتأثر حياته بشكل عميق بفقد والديه ثم خاله والذي لا يقل دوره عن دور الوالدين. (عمر السارد أو المؤلف يقترب أو يجاوز السبعين، عرفت ذلك من خلال أحداث الرواية التي قام المؤلف بسردها). 

الأم:

أقوى شخصية عاطفية في الرواية: الأم في البداية تبدو شخصية عائلية عادية: أم تهتم بالنظافة، الصلاة، الملابس، الطعام، التربية. لكن تدريجيًا تتحول إلى: مركز الذاكرة والحماية والخوف. وفي نهاية الرواية تبلغ الشخصية ذروتها؛ لأن المرض يمحو أسماء الناس من عقلها، بينما تبقى العاطفة. دور الأم بعد وفاة الأب مع ابنهما بالنظام الصارم، خاصة بعد حصولها على الإعدادية، وصولًا إلى مشهد وفاتها المؤثر في الجزء الثاني. " ظهرت نتيجة الشهادة الإعدادية، شعرت بالنضج، وبدأت في السهر خارج المنزل، أظهرت مخالبها، أصرت على مراقبتي في الصلاة، إذا تعجلت ركوعي وسجودي تأمرني فأعيد، بدأت في تفتيش ملابسي وكتبي وفراشي بحثًا عن أخطاء سرية، إذا لم أضع جواربي في خراج الغسيل، أو تركتها في حذاء أو تحت مقعد، أصحو وهي تحشرها في فمي، قررت مواعيد صارمة للنوم والاستيقاظ، الخروج والدخول على الميقات، نظامها اليومي لا يتوافق معي، أحيانًا وربما غالبًا، أعود في الموعد الذي حددته، تذهب للنوم، أرتدي ملابسي متسللًا إلى الخارج، معاهدًا شقيقي الأوسط أن يحفظ سري. في تلك الليلة سهرت طويلاً مع خالي الكبير، في المقهى ثم في بيت جدتي، لا حصانة أفضل منهما، في حوالي الواحدة صباحًا، لم يستجب رتاج الباب لمفتاحي، أغلقته من الداخل، "(صفحة 113).

الأب

دور الأب العظيم مع أسرته؛ وهو شخصية متعددة الطبقات: موظف، أب، زوج، قارئ، رياضي، اجتماعي، محب للناس، مدخن، صاحب صرامة وحنان، رجل دين بالفطرة لا بالتشدد. يتم استدعاؤه بعد موته عبر الحواس: رائحة، صوت، لون، قطعة ملابس يأتي من الجريدة والشاي والسيجارة والكرسي والملابس والحذاء والهدايا والطعام. فالكاتب يقول لنا بصورة غير مباشرة: الأشياء التي تركها الأب أصبحت طريقة وجوده بعد موته.

دور العم الفقيه وحضور عائلي قوي يوثق تفاصيل الحياة الاجتماعية والأسرية لعصر منصرم.

لكن الشخصيات كثيرة جدًا، والقارئ يجد أسماء وأعمامًا وأخوالًا وأبناء عمومة وجيرانًا ومدرسين وأصدقاء وأطباء وغيرهم. بعضهم مهم، لكن بعضهم يظهر مرة أو مرتين ثم يختفي. وهذا يخلق تضخمًا في الشخصيات الثانوية.

الحوار 

ليس هو أقوى أدوات الرواية؛ لأن الرواية تعتمد أساسًا على السرد والاسترجاع.

أقوى مشهد في الرواية: مرحلة مرض الأم واحتضارها. لأن كل التقنيات السابقة تتجمع هناك: الطعام، الرائحة، البيت، الأشياء، الأب، الذاكرة، المرض، الدين، الخوف، الموت، العائلة.

المشكلة الكبرى: الإفراط في التفاصيل؛ مثلاً وصف الملابس والسيارات والأثاث والأطعمة والأشخاص قد يكون ممتعًا في عشر صفحات، لكنه عندما يتكرر على مدى عشرات الصفحات يفقد عنصر المفاجأة. فليس كل ما تتذكره الشخصية يجب أن يروى. والمطلوب حذف ربع التفاصيل التكرارية التي لا تضيف ستصبح الرواية أشد قوة بكثير. هناك رواية دسمة، وهذه رواية مزدحمة

التقسيم إلى جزأين، يخدم العمل. الجزء الأول يبني العالم: الطفولة، البيت، المدرسة، العائلة، الأب، الأم، الجدة، الأقارب، الإسكندرية، الطعام، اللعب، الجيران، المعتقدات الشعبية. ثم تأتي التحولات الكبرى: مرض الأب، سفره، عودته، موته، ثم آثار موته.

والجزء الثاني ينتقل بصورة أوضح إلى: ما بعد الموت، الذاكرة، المرض، شيخوخة الأم، تدهورها، موتها، ثم سؤال وجود الراوي نفسه.

الجزء الثاني ركز أكثر على محور واضح هو فقد الأم والخوف من فقد الذات. فلو وضعنا مسميات لكل جزء لكان الجزء الأول: العائلة. والجزء الثاني: الأم. ولهذا أرى أن القسم الأخير أقوى روائيًا من جزء كبير من القسم الأول.

وختامًا

نجح الروائي تامر صلاح الدين في رواية "الحزن والبهجة" ليس في أن يقدم سيرة ذاتية عادية؛ بل صاغ ملحمة إنسانية تتجاوز حدود الحكاية الفردية في حياة هذه العائلة، والتي تعد أنموذجًا مصغرًا للعالم، لتصبح مرآة لواقع نعيشه، مستخدمًا لغة شعرية تتنامى عمقًا مع تدفق الأحداث واقترابها من نهاياتها الموجعة. بدأ بالحزن، وثنى بالبهجة، ما يجعل للحزن موقع الصدارة من خلال شعرية سردية عبر بوابة الحنين وقد انعكس الحزن على الأسلوب، فاكتسى بنبرة الشجن، التي تبرز في ثنائية "الحزن والبهجة".

google-playkhamsatmostaqltradent