كيف تمكنت أوكرانيا من تنفيذ واحدة من أوسع عمليات القصف التي استهدفت العمق الروسي؟
نحو 1600 مسيرة استهدفت مصافي النفط الروسية في العاصمة موسكو، وتمكنت الدفاعات الجوية الروسية من اعتراض أعداد كبيرة منها، بينما نجحت أخرى في الوصول إلى أهدافها وإلحاق خسائر كبيرة، كان أبرزها ما أصاب أكبر مصفاة نفط في موسكو بمنطقة كابوتنيا. المشهد يطرح سؤالًا أساسيًا حول التحول الكبير الذي طرأ على القدرات الهجومية الأوكرانية، وكيف أصبحت كييف قادرة على نقل عملياتها إلى مسافات بعيدة داخل الأراضي الروسية.
جزء أساسي من الإجابة يرتبط بالدعم البريطاني لأوكرانيا، إذ يشير الطرح الذي يستند إليه هذا التحليل إلى أن لندن قدمت لكييف طائرات مسيرة متطورة، بأعداد تفوق ما كانت تمتلكه أوكرانيا من ترسانة محلية. وخلال العام الجاري، تسلمت أوكرانيا، وفق الأرقام الواردة في هذا الطرح، نحو 25 ألف مسيرة بريطانية الصنع، بينما تتوقع الحكومة البريطانية وصول العدد إلى 120 ألف مسيرة إضافية قبل نهاية العام. ولا يتعلق الأمر بالكم فقط، فالمسألة ترتبط كذلك بقدرات هذه الطائرات ومدياتها، وما تمنحه للقوات الأوكرانية من إمكانية الوصول إلى أهداف بعيدة داخل الأراضي الروسية.
وتشير المعلومات الواردة إلى نوعين من المسيرات البريطانية التي لعبت دورًا في هذا التحول. الأولى تحمل اسم Nyan ويزيد مداها على 250 ميلًا، بينما لم يُكشف اسم النوع الثاني لأسباب تتعلق بالسرية، مع الإشارة إلى أن مداها يصل إلى نحو 960 كيلومترًا. مثل هذه القدرات تفتح أمام أوكرانيا مجالًا أوسع لتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف استراتيجية بعيدة عن خطوط القتال، وهو ما بدأ، بحسب الطرح نفسه، من خلال استهداف منشآت نفطية في فولجوجراد وياروسلافل، قبل أن تتطور العمليات إلى هجوم واسع بلغ نحو 1600 مسيرة في وقت واحد.
ولا تقتصر القصة على الطائرات المسيرة وحدها. فالدعم البريطاني لكييف يتجاوز هذا النوع من الأسلحة إلى منظومات صاروخية أكثر تطورًا، وفي مقدمتها صواريخ ستورم شادو البريطانية-الفرنسية. وتبلغ كتلة الصاروخ نحو 1300 كيلوجرام، فيما يتجاوز مداه 250 كيلومترًا، وقد استخدمته القوات الأوكرانية في ضرب أهداف روسية خلال الحرب، من بينها مواقع وأهداف مرتبطة بأسطول البحر الأسود في سيفاستوبول بالقرم.
وحتى أغسطس 2026، كانت بريطانيا، بحسب المعطيات التي يستند إليها التحليل، تزوّد أوكرانيا بهذه الصواريخ مع قيود على نطاق استخدامها، بحيث تقتصر الأهداف الروسية المسموح باستهدافها على المناطق الواقعة داخل الأراضي الأوكرانية المحتلة. لكن التطور الأكثر حساسية تمثل في الإعلان البريطاني عن تمكين أوكرانيا من تصنيع ستورم شادو داخل مصانعها الحربية في كييف، بما يعني نقل جانب من التكنولوجيا المرتبطة بالصاروخ إلى الجانب الأوكراني.
هذا التطور يغير طبيعة المعادلة العسكرية. فامتلاك أوكرانيا القدرة على إنتاج الصاروخ محليًا يعني زيادة قدرتها على استخدام الضربات بعيدة المدى، إلى جانب توسيع ترسانتها من المسيرات. وهكذا تتشكل أمام موسكو معادلة ضغط من مسارين متوازيين: طائرات مسيرة بأعداد كبيرة قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، وصواريخ بعيدة المدى تستطيع التعامل مع أهداف استراتيجية أكثر أهمية.
وتشير تقديرات نقلها الطرح عن مصادر استخباراتية بريطانية إلى أن الضربات الأوكرانية بالمسيرات وحدها استهدفت خلال عام 2026 نحو 600 هدف داخل العمق الروسي، مع تقدير الخسائر الناتجة عنها بنحو 47 مليار دولار. وإذا أضيف إلى ذلك الإعلان عن أعداد إضافية كبيرة من المسيرات البريطانية، إلى جانب توطين إنتاج ستورم شادو في أوكرانيا، فإن حجم التحول المحتمل في طبيعة الحرب يصبح أكثر وضوحًا.
لكن تطور القدرات الأوكرانية لا يمكن فصله عن التحول الأوسع في الموقف الأوروبي من الحرب. فالدول الأوروبية أصبحت تتعامل مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بأمن القارة، خصوصًا مع تراجع اليقين بشأن استمرار المظلة الأميركية بالصورة التي عرفتها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتفاقمت هذه المخاوف الأوروبية مع التحولات التي طرأت على السياسة الأميركية تجاه الحرب. فقد شهدت العلاقة بين إدارة ترامب والحكومة الأوكرانية توترات علنية، كما تعرضت المساعدات الأميركية لكييف لتغييرات وقيود خلال فترات مختلفة. وفي الوقت نفسه، أثارت مواقف الرئيس الأميركي بشأن مستقبل الأراضي الأوكرانية ومسار التسوية مع روسيا قلقًا داخل عدد من العواصم الأوروبية، التي بدأت تدرك أن استمرار الدعم لأوكرانيا قد يتطلب اعتمادًا أكبر على القدرات الأوروبية نفسها.
هذه التحولات دفعت دول القارة إلى إعادة النظر في منظومتها الدفاعية. فالدول الأوروبية لم تعد تتعامل مع الأمن باعتباره مسؤولية أميركية بالدرجة الأولى، وإنما بدأت في زيادة الإنفاق العسكري وتوسيع الصناعات الدفاعية، بالتوازي مع استمرار الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا.
ألمانيا تمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، إذ أعلنت عن برامج واسعة لزيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدراتها العسكرية. وظهرت كذلك مؤشرات على انتقال شركات صناعية ألمانية تقليدية إلى المشاركة بصورة أكبر في قطاع الصناعات الدفاعية، في ظل توقعات بزيادة كبيرة في مخصصات التسليح خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، أُعلن عن اتفاق يتعلق بمصنع فولكسفاجن في أوزنابروك، بهدف تحويل جانب من نشاطه إلى إنتاج مكونات مرتبطة بأنظمة الدفاع الجوي. ويعكس هذا التوجه تغيرًا في الأولويات الصناعية الأوروبية، حيث بدأت قطاعات كانت بعيدة عن الصناعة العسكرية تاريخيًا في النظر إلى إمكانات المشاركة في إنتاج مكونات وأنظمة دفاعية.
ولا يعني ذلك أن أوروبا دخلت الحرب بصورة مباشرة ضد روسيا، وإنما يعكس ارتفاع مستوى الاستعداد الأوروبي لمواجهة تداعيات الحرب، واستمرار الرهان على دعم أوكرانيا باعتبارها خط الدفاع المتقدم عن الأمن الأوروبي في مواجهة موسكو.
أما روسيا، فتواجه في المقابل مجموعة من الضغوط المتزامنة. وتأتي الأزمة الديموغرافية في مقدمة هذه التحديات، إذ أدت الحرب الطويلة إلى استنزاف بشري كبير، فيما تتراجع قدرة البلاد على تعويض الخسائر البشرية بالسرعة نفسها. ومن هنا تأتي أهمية الدعم العسكري والبشري الذي تحصل عليه موسكو من شركائها، وفي مقدمتهم كوريا الشمالية.
الاتفاق الدفاعي بين موسكو وبيونج يانج، وما ارتبط به من تعاون عسكري، يعكس حاجة روسيا إلى توسيع دائرة الشركاء القادرين على تقديم الدعم في ظل طول أمد الحرب. كما أن المشروعات المشتركة بين البلدين، ومن بينها إنشاء جسر بري بتكلفة تقدر بنحو 100 مليون دولار، تعكس محاولة لتعزيز الروابط الاقتصادية واللوجستية بين الطرفين.
لكن التحدي الروسي لا يرتبط بالعنصر البشري وحده. فتكلفة الحرب ترتفع بصورة مستمرة، والإنفاق العسكري يستهلك نسبة كبيرة من الموارد الحكومية. وتشير التقديرات الواردة في التحليل إلى أن الإنفاق العسكري الروسي بلغ نحو 211 مليار دولار خلال أول عامين من الحرب، مع وصول الإنفاق الدفاعي إلى مستويات مرتفعة من إجمالي موازنة الدولة.
وتضيف العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي تحديًا آخر، إذ دفعت موسكو إلى زيادة اعتمادها على الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين. وهنا تظهر أهمية مشروع خط أنابيب قوة سيبيريا 2، الذي يمتد لمسافة تقارب 4000 كيلومتر، منها نحو 2600 كيلومتر داخل الأراضي الروسية ونحو ألف كيلومتر داخل منغوليا، قبل وصوله إلى الصين، مع قدرة مستهدفة لنقل ما يقارب 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.
العلاقة بين موسكو وبكين تقوم على شراكة استراتيجية، لكن ذلك لا يعني غياب المصالح المتباينة. فالصين تدرك حجم حاجة روسيا إلى السوق الصينية، وهو ما يمنحها مساحة واسعة للتفاوض على أسعار الطاقة وشروط التوريد. وتأجيل تنفيذ بعض المشروعات قد يرتبط، وفق هذا الطرح، بمحاولة بكين الحصول على أفضل الشروط الاقتصادية الممكنة.
ومع اضطراب حركة الطاقة في مناطق أخرى من العالم، تصبح الصين أكثر أهمية بالنسبة لروسيا باعتبارها سوقًا رئيسية للنفط والغاز، بينما تستفيد بكين من قدرتها على الحصول على موارد الطاقة الروسية بأسعار وشروط أفضل. ومن هنا يأتي استهداف مصافي النفط الروسية كجزء من محاولة أوكرانية لرفع تكلفة الحرب على موسكو، ليس فقط عبر استهداف المواقع العسكرية، وإنما أيضًا عبر ضرب البنية التحتية التي تغذي الاقتصاد الحربي الروسي.
استهداف المصافي يعني إحداث ضغط إضافي على قطاع الطاقة، ورفع تكاليف إصلاح المنشآت وتشغيلها وتأمينها، إلى جانب التأثير المحتمل على توزيع المنتجات النفطية داخل روسيا. وبذلك تتحول المنشآت النفطية إلى جزء من ساحة المعركة الاقتصادية، وليس مجرد أهداف منفصلة عن العمليات العسكرية.
أما السؤال المتعلق بمآلات الحرب، فلا يبدو أن أيًا من الطرفين يتوقع حسمها بمجرد زيادة عدد المسيرات أو الصواريخ. أوروبا تدرك أن روسيا لن تنسحب من الأراضي الأوكرانية لمجرد تعرضها لضربات بعيدة المدى، وموسكو تدرك في المقابل أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية من دون تكلفة متزايدة.
لهذا تبدو المعركة الحالية أقرب إلى محاولة لتحسين شروط التفاوض المقبلة. كل طرف يسعى إلى الوصول إلى طاولة المفاوضات من موقع أقوى، بحيث يتمكن من انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب وتقليل حجم التنازلات التي سيضطر إلى تقديمها.
الرؤية الأوروبية للنتيجة تختلف عن الرؤية الروسية. فالدول الأوروبية الداعمة لكييف تسعى إلى منع تثبيت مكاسب روسية واسعة داخل الأراضي الأوكرانية، بينما تريد موسكو الحصول على اعتراف بما تعتبره مصالحها ومكاسبها الإقليمية والأمنية. وبين الموقفين تستمر الحرب، فيما ترتفع فاتورتها البشرية والاقتصادية.
وفي وسط هذه المواجهة، تبدو الصين في موقع مختلف. فهي تتابع الصراع من خارج الجبهات المباشرة، وتستفيد من التحولات الاقتصادية التي أحدثتها الحرب والعقوبات وإعادة تشكيل أسواق الطاقة. السياسة الصينية تقوم على تجنب التورط العسكري المباشر، مع الاستفادة من الظروف الدولية لتعزيز موقعها الاقتصادي والاستراتيجي.
وتوفر الأزمة الروسية والصراع في الشرق الأوسط لبكين فرصًا للحصول على موارد الطاقة بشروط أفضل، وتوسيع علاقاتها التجارية، وتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. لذلك تظل الصين لاعبًا مهمًا في المشهد، حتى مع بقائها خارج خطوط النار الرئيسية.
لكن التحليل لا يتوقف عند أوروبا وروسيا والصين، بل يربط الحرب الأوكرانية بما يجري في الشرق الأوسط. فالحروب المتزامنة وتوترات الملاحة والطاقة في مناطق متعددة من العالم تخلق بيئة دولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المصالح العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري في أوكرانيا لا يمكن النظر إليه باعتباره حربًا محلية محدودة بين روسيا وأوكرانيا فقط. فالدعم الأوروبي لكييف، والدور الأميركي، والتدخلات البريطانية والفرنسية، والموقف الصيني، والعقوبات الاقتصادية، كلها عناصر جعلت الصراع جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لموازين القوى الدولية.
وتكمن المفارقة الأساسية في أن أوروبا، التي اعتمدت لعقود طويلة على المظلة الأمنية الأميركية، بدأت في بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالًا، بينما وجدت روسيا نفسها مضطرة إلى زيادة اعتمادها على شركاء مثل الصين وكوريا الشمالية. وفي الوقت نفسه، تحاول أوكرانيا تطوير قدرتها على ضرب أهداف بعيدة، بحيث لا تظل الحرب محصورة في الخطوط الأمامية.
ولهذا فإن هجومًا يضم 1600 مسيرة لا يمثل مجرد عملية عسكرية واسعة من حيث العدد، بل يعكس تحولًا في طبيعة الحرب نفسها. المسافة لم تعد حاجزًا مطلقًا، والمنشآت الاقتصادية أصبحت جزءًا من بنك الأهداف، والتكنولوجيا باتت تسمح لطرف يمتلك موارد أقل من خصمه بتوجيه ضربات إلى العمق.
وفي النهاية، تظل نتيجة الحرب مرتبطة بعوامل أكبر بكثير من عدد المسيرات أو الصواريخ. هناك القدرة على التمويل، والإنتاج العسكري، والموارد البشرية، والدعم الخارجي، والقدرة على تحمل الاستنزاف، والأهم من ذلك كله القدرة على الوصول إلى تسوية سياسية عندما تصبح كلفة استمرار القتال أعلى من المكاسب التي يمكن تحقيقها منه.
ستظل المدافع تعمل ما دامت الأطراف ترى أن استمرار الحرب يمكن أن يحسن شروطها المستقبلية. وستبقى الضربات بعيدة المدى، واستهداف البنية التحتية للطاقة، وتوسيع الصناعات الدفاعية، أدوات ضغط متبادلة إلى أن تصل الأطراف إلى النقطة التي يصبح عندها التفاوض أكثر فائدة من مواصلة القتال.
وفي هذا المشهد المعقد، تحاول أوروبا منع تحول الحرب الأوكرانية إلى نقطة ضعف استراتيجية لها، وتسعى روسيا إلى الحفاظ على مكاسبها وموقعها الدولي، بينما تعمل أوكرانيا على زيادة كلفة الحرب على موسكو وتوسيع قدراتها الهجومية. أما الصين، فتراقب المشهد وتراكم أوراق القوة بعيدًا عن ساحات القتال.
الحرب إذن لم تعد مجرد مواجهة على الأرض الأوكرانية، وإنما صراع طويل على شكل النظام الدولي المقبل، وعلى حدود النفوذ الروسي والأوروبي والأميركي والصيني. وكلما طال أمد المعركة، أصبحت تكلفة الحسم أعلى، وأصبحت طاولة التفاوض في النهاية جزءًا لا يمكن تجاهله من الحسابات العسكرية لجميع الأطراف.
