بعد رحيل الأب كيف تعيش البنت حين يصبح الأمان ذكرى؟
بقلم : مني الحديدي
هناك أوجاع لا ترى بالعين لكنها تسكن القلب طويلًا، وهناك غياب لا تعوضه الأيام مهما مرت، ولا يستطيع الإنسان أن يتعلم كيف يعتاده. ومن أصعب أنواع الغياب غياب الأب.
فالأب بالنسبة لابنته ليس مجرد فرد في العائلة، بل هو أول أمان عرفته، وأول كتف احتمت به، وأول رجل شعرت أمامه أنها مهما كبرت ستظل صغيرة مدللة، لها ظهر تستند إليه وباب تلجأ إليه حين تضيق بها الدنيا. وحين يرحل الأب لا تفقد البنت شخصًا فقط، بل تفقد جزءًا من شعورها بالأمان. تستيقظ في اليوم التالي وتواصل حياتها، تذهب إلى عملها، تضحك مع الآخرين وتنجز مسؤولياتها، وربما تبدو للجميع قوية ومتجاوزة للأمر، لكن في داخلها طفلة ما زالت تبحث عن صوت أبيها، عن دعائه، عن نظرته، وعن ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا في الدنيا لن يتغير مهما تغير كل شيء.
وبعد رحيل الأب تبدأ البنت في اكتشاف وجه آخر للحياة. تكتشف أن الزمن لا يضمن بقاء أحد، وأن بعض القلوب تتغير، وأن أقرب الناس قد تفرقهم الأيام، وأن العلاقات التي كانت تبدو ثابتة قد تهتز أمام أول اختبار.
وهنا يصبح الوجع مضاعفًا؛ وجع فقد الأب، ووجع تقلب البشر. فهي التي كانت تظن أن بيتها هو المكان الأكثر أمانًا قد تجد نفسها يومًا مضطرة لأن تحسب كلماتها وتخشى ردود أفعال من تحب، وتتساءل: لماذا تغيروا؟ لماذا أصبح ما كان يجمعنا بالأمس لا يشبه ما يحدث اليوم؟
أصعب ما يمكن أن تواجهه فتاة فقدت أباها ليس فقط أن تعيش بدونه، وإنما أن تعيش وهي تشعر أن بعض من حولها لم يعودوا كما كانوا. فبعد أن كان الأب هو السند تصبح هي السند. تتحمل وتصمت وتخفي دموعها وتحاول أن تبدو قوية حتى لا يشعر من حولها بأنها ما زالت مكسورة من الداخل.
لكن الحقيقة أن القوة لا تعني أن القلب لم يعد يتألم.
هناك بنات يبتسمن كثيرًا لأنهن لا يجدن وقتًا للبكاء. هناك من يتحملن فوق طاقتهن لأنهن يخشين أن ينهار البيت. هناك من يواسين الجميع بينما لا يجدن من يواسيهن.
وهناك من يفتقدن آباءهن في تفاصيل صغيرة جدًا؛ في مناسبة، في قرار، في خوف مفاجئ، في لحظة نجاح، أو حتى في يوم عادي يتمنين فيه فقط لو كان موجودًا ليسمعهن.
ومع مرور السنوات لا يختفي الأب من الذاكرة كما يظن البعض، وإنما يتحول حضوره إلى شيء آخر. صورة في القلب، دعاء لا ينقطع، ذكرى تأتي فجأة فتربك المشاعر، وحنين لا يحتاج إلى مناسبة. وربما أكثر ما يؤلم تلك البنت أن الزمن لا يتوقف معها.
الدنيا تستمر، والناس تتغير، والبيوت تتبدل، والمسافات تكبر، وبعض العلاقات تتراجع، وبعض الوعود تسقط، وهي مطالبة في كل مرة أن تتماسك وتقول: "أنا بخير." لكنها ليست دائمًا بخير.
هي فقط تعلمت كيف تخفي تعبها.
وهذا حال بيوت كثيرة لا يعرف الناس عنها شيئًا؛ بيوت تبدو من الخارج مستقرة، بينما بداخلها قلوب تحمل حكايات طويلة من الفقد والخذلان والصبر.
ولذلك علينا أن نتوقف قليلًا عن مطالبة من فقدوا أحبتهم بأن يكونوا أقوياء طوال الوقت. ليس كل صمت رضا، وليس كل ابتسامة دليلًا على أن القلب بخير، وليس كل من اعتاد الوحدة لا يحتاج إلى أحد. بعض القلوب تحتاج فقط إلى كلمة طيبة، إلى حضن صادق، إلى شخص يقول: "أنا فاهمك ومش لازم تكوني قوية طول الوقت."
وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن فقد أباه أن نحافظ على مشاعره وأن نكون أكثر رحمة في تعاملنا معه. فالفقد يجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه التغير، وأكثر خوفًا من الرحيل، وأكثر احتياجًا إلى الأمان.
وفي النهاية قد تكبر البنت وتصبح امرأة قوية، وتتحمل مسؤولياتها، وتنجح، وتبني بيتًا، وتصبح هي نفسها مصدر أمان لغيرها، لكن بداخلها دائمًا مساحة صغيرة لا تكبر. مساحة تخص أباها، تظل تنتظر منه في خيالها تلك الطمأنينة القديمة: "أنا جنبك، لا تخافي."
ولعل أقسى ما في الحياة أن بعض الكلمات لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نفقد الشخص الذي كان يقولها.
رحم الله كل أب غاب عن بيته وترك خلفه قلبًا صغيرًا كبر مضطرًا قبل أوانه.
وربط على قلوب كل ابنة ما زالت تتعلم يومًا بعد يوم كيف تعيش في عالم لم يعد فيه أبوها إلى جوارها.
فبعض الغياب لا يعتاده القلب أبدًا.
