لما حياتنا تبقى للعرض
بقلم: د. خالد البليسي
هل نعيش اللحظة.. أم ننتظر تصفيق الناس؟
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل أو مشاركة الأخبار، بل تحولت إلى مسرح واسع يعرض عليه الإنسان تفاصيل يومه، ونجاحاته، ومناسباته، وحتى لحظات ضعفه. وبينما يبدو النشر فعلًا عاديًا، يطرح هذا السلوك سؤالًا اجتماعيًا يستحق التوقف: هل نشارك حياتنا لأننا نريد توثيقها، أم لأننا أصبحنا نحتاج إلى تصفيق الآخرين حتى نشعر بقيمتها؟
المشكلة لا تكمن في صورة عائلية أو تهنئة بنجاح، وإنما في تحول المشاركة إلى معيار للحضور والرضا. فبعض الناس لم يعد يستمتع بالرحلة قبل تصويرها، ولا بالاحتفال قبل نشره، ولا بالمساعدة قبل توثيقها. وهنا تتحول اللحظة الخاصة إلى مادة عامة، ويصبح رأي المتابعين شريكًا في تشكيل مشاعرنا وقراراتنا.
وتزداد الخطورة حين تمتد هذه الثقافة إلى الأطفال؛ إذ تفتح مشاركة صورهم وتفاصيل حياتهم نقاشًا ضروريًا حول حقهم في الخصوصية، وحدود النشر قبل أن يملكوا القدرة على الاختيار.
كما أن نشر التفاصيل الشخصية قد يمنح الغرباء فرصة لمعرفة ما لا ينبغي أن يعرفوه، ويجعل الخلافات الأسرية مادة للتعليق والتأويل. وقد يصبح الصمت أحيانًا حماية لا نقصًا، والاحتفاظ بالفرح بعيدًا عن العيون نوعًا من الحكمة.
لكن الاستخدام الواعي لا يعني مقاطعة التكنولوجيا، بل يبدأ بخطوات بسيطة: أن نسأل أنفسنا قبل النشر: هل أشارك ذكرى أم أبحث عن قبول؟ وأن نمنح اللحظات المهمة وقتًا نعيشها فيه بعيدًا عن الهاتف. ومن الضروري أيضًا مراجعة إعدادات الخصوصية، والاستئذان قبل نشر صور الآخرين، وعدم تحويل المساعدة أو المشكلات العائلية إلى محتوى عام.
وفي الأسرة، يمكن الاتفاق على أوقات بلا هواتف، وتعليم الأبناء أن قيمتهم لا تُقاس بعدد الإعجابات. أما نحن، فعلينا أن نتذكر أن ما نراه على الشاشات ليس الحياة كاملة، بل لحظات منتقاة منها.
ليس المطلوب أن نختفي من العالم الافتراضي، بل أن نستعيد حقنا في لحظات لا يراها أحد. فبعض أجمل الذكريات تفقد شيئًا من دفئها حين ننشغل بإثباتها للناس. وربما يكون النضج الحقيقي أن نعيش اللحظة أولًا، ثم نقرر بهدوء: هل تستحق أن تُنشر، أم يكفي أنها كانت لنا؟
تكمن السعادة الحقيقية في التفاصيل التي لا يراها أحد، وفي الضحكات التي لا تسجلها الكاميرات، والمشاعر التي تصدق دون أن تحظى بإعجاب الآلاف. إن حياتنا ليست عرضًا مسرحيًا يُقاس نجاحه بحجم التصفيق، بل هي مساحة خاصة تستمد قيمتها من عمق ما نعيشه، لا من كثرة من يشاهدونه. وفي زمن أصبحت فيه الشاشات تلتهم أثمن أوقاتنا، يبقى أرقى أنواع النضج وأعظم صور الحكمة أن نملك شجاعة الاحتفاظ باللحظة، وأن ندرك أن أجمل فصول حياتنا هي تلك التي نعيشها بكامل حواسنا... بعيدًا عن الأضواء.
هل ترى أن الجيل الجديد قادر على التخلي عن المظاهر الافتراضية، أم أن رغبة القبول الاجتماعي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من تكوينه؟
