هل فقد الكتاب المدرسي مكانته أمام الهاتف؟
بقلم: صوفي أبوطالب
لم يعد الكتاب المدرسي يحتل المكانة نفسها التي كان يتمتع بها في حياة الطلاب، بعدما أصبح الهاتف المحمول حاضرًا بقوة في تفاصيل يومهم، ووسيلة سهلة وسريعة للوصول إلى المعلومات والدروس والشروحات. وبينما كان الطالب قديمًا يبحث عن المعلومة بين صفحات الكتاب، يستطيع اليوم الوصول إليها خلال ثوانٍ عبر محركات البحث والمنصات التعليمية ومقاطع الفيديو، بل ويمكنه مشاهدة شرح الدرس أكثر من مرة، والبحث عن أمثلة وتطبيقات تساعده على فهم ما يصعب عليه.
ولا يمكن النظر إلى الهاتف باعتباره منافسًا للكتاب فقط، فهو في الوقت نفسه أداة تعليمية يمكن أن تقدم للطالب طرقًا جديدة للفهم، خاصة في المواد التي تحتاج إلى شرح بصري أو تطبيق عملي. وأصبح بإمكان الطالب استخدام التطبيقات التعليمية، والاستفادة من المحاضرات المسجلة والموسوعات الرقمية، والتواصل مع المعلمين وزملائه للحصول على إجابات واستفسارات يصعب الوصول إليها بالطريقة التقليدية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الهاتف من وسيلة للتعلم إلى مصدر دائم للتشتت. فالطالب الذي يمسك هاتفه لمراجعة درس قد يجد نفسه بعد دقائق يتنقل بين مواقع التواصل والألعاب ومقاطع الفيديو، فيبتعد تدريجيًا عن الهدف الأساسي الذي استخدم الهاتف من أجله. ومع كثرة الإشعارات وسرعة المحتوى الرقمي، يصبح التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة، بينما يحتاج التعلم الحقيقي إلى الصبر والقراءة والتفكير.
ورغم التطور الرقمي، يظل الكتاب المدرسي يمتلك قيمة مهمة، فهو يقدم المعرفة بصورة منظمة ومترابطة، ويمنح الطالب فرصة للقراءة بعيدًا عن الإشعارات والمشتتات التي تفرضها الأجهزة الذكية. كما أن التعامل مع الكتاب يساعد على بناء عادة القراءة، ويمنح الطالب قدرة أكبر على متابعة الأفكار وربط المعلومات ببعضها، بدلًا من الاكتفاء بمعلومات سريعة ومتفرقة.
ومن هنا، فالمطلوب ليس أن نختار بين الكتاب والهاتف، وإنما أن نعيد تعريف العلاقة بينهما. فالكتاب يمكن أن يظل أساسًا للمعرفة، بينما يصبح الهاتف أداة مساعدة توسع فهم الطالب وتفتح أمامه مصادر إضافية للتعلم. ويحتاج ذلك إلى توعية الطلاب بكيفية الاستخدام الصحيح للتكنولوجيا، وإلى دور أكبر للأسرة والمدرسة في تنظيم وقت استخدام الأجهزة.
المستقبل التعليمي لن يكون ورقيًا بالكامل ولا رقميًا بالكامل، وإنما سيحتاج إلى طالب يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يسمح لها بأن تحل محل القراءة والتفكير والتركيز. وهنا لا تكمن القضية في أن الكتاب فقد مكانته أمام الهاتف، بل في قدرتنا على منح كل وسيلة مكانها الصحيح، بحيث تخدم التكنولوجيا الكتاب، ولا تلغي دوره في بناء عقل الطالب وشخصيته.
