«البيت... أم لا أب»
بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي
أثر الوالدين في صناعة شخصية الأبناء
من يصنع شخصية الطفل قبل أن تصنعها المدرسة والشارع؟ من يضع بصمته الأولى في وجدانه؟
إن التربية مسؤولية مشتركة، لكن طبيعة حضور الأب والأم تجعل أثر كل منهما مختلفًا. وما نراه اليوم من عقوق وتراجع في القيم، مرده في كثير من الأحيان إلى تخلي رُبّان السفينة الحقيقي عن دوره. وهذا الربان، في تقديري، هو الأم لا الأب.
الأم: الورقة الرابحة
فالأم هي الأكثر ملازمة للأبناء والأعمق تأثيرًا فيهم. تملك ما لا يملكه غيرها: حنانها الذي تستثمره، وأمومتها التي تمنحها المكان والمكانة. لذا تظل ورقتها هي الرابحة دومًا.
وهناك علاقة وثيقة، كرجع الصدى، بين معاملة الزوجة لزوجها وسلوك أبنائها. فالأبناء يسلكون ذات درب أمهم. إن وقرت أباهم، نشأوا على التوقير، وإن استهانت به، نشأوا على غير ذلك.
التربية بالقدوة.. امتصاص واستنساخ
فالتربية بالقدوة هي الأصل. الوالدان هما أول عالم تتفتح عليه عيون الطفل، ومنهما يمتص العادات ويستنسخ الطباع محاكاة وتقليدًا. كم من أم أورثت أبناءها النظام أو الفوضى، والهدوء أو الحدة! وكثير من العقوق مرده بيئة لم تغرس البر منذ البداية.
لذا إذا كان البيت في أساسه أمًّا، فمن أراد ذرية صالحة فليحسن اختيار التربة.
ولله در حافظ إبراهيم حين قال:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها ** أعددتَ شعبًا طيب الأعراقِ
فمن أرادت أن تربي أبناءها على البر بأبيهم، فلتكن هي نفسها بارة به موقرة له.
التكامل لا المفاضلة
لكن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن بناء الأسرة لا يستقيم بإلغاء أحد الطرفين لحساب الآخر. فحسب الأب تفانيه من أجل الحفاظ على البيت قائمًا ودعمه ماديًا ومعنويًّا، وحماية أسرته من أعاصير الحياة وهجير الأيام. إنه صمام الأمان، وأمان الحياة بالنسبة لهم.
وفي المقابل، على الأم أن تكون مرفأ الحنان وواحة الأمان، والتي تنتعش فيها أسرتها، (عالمها الصغير).
فالأسرة السليمة لا يبنيها أب وحده، ولا تحميها أم وحدها، بل يبنيها أبوان يعلمان جيدًا أن القدوة تسبق القول. وحين يصلح البيت من داخله، وتتكامل الأدوار بتناغم وانسجام، يصبح الأبناء أكثر قدرة على مواجهة تحديات الخارج بثبات ويقين، وهنا يولد الإصلاح الحقيقي.
