الدكتور خالد عمران يكتب: المعرفة حق وبناء الإنسان رسالة
أستاذ المناهج وطرق التدريس
رئيس طلاب من أجل مصر
في الثامن من سبتمبر من كل عام، لا يحتفل العالم بمجرد مناسبة تعليمية، ولا يستعيد قضية تنتمي إلى الماضي؛ بل يقف أمام سؤال شديد الصلة بالمستقبل: كيف نصنع إنسانًا قادرًا على أن يفهم، ويختار، ويشارك، ويصنع؟
إنه اليوم العالمي لمحو الأمية… اليوم الذي يضع أمامنا قضية قد تبدو في ظاهرها مرتبطة بالقراءة والكتابة، لكنها في جوهرها ترتبط بكرامة الإنسان، وبحقه في المعرفة، وبقدرته على أن يكون شريكًا كاملًا في بناء مجتمعه ووطنه.
فالأمية ليست غياب الحروف عن عين الإنسان فحسب؛ إنها قد تكون غياب القدرة على قراءة الحياة نفسها.
أن يقرأ الإنسان كلمة، فذلك تعليم… وأن يقرأ معناها، فذلك وعي… وأن يستطيع أن يميز بين الحقيقة والزيف، وأن يسأل قبل أن يصدق، وأن يفكر قبل أن يحكم، وأن يعرف حقه وواجبه، فذلك هو الإنسان الذي تحتاجه الأوطان.
ومن هنا، فإن معركة محو الأمية في مصر لم تكن يومًا مجرد برنامج لتعليم القراءة والكتابة، وإنما هي جزء من معركة أكبر تخوضها الدولة المصرية من أجل بناء الإنسان؛ الإنسان الذي يمثل الثروة الحقيقية لأي وطن، والذي لا يمكن أن تكتمل التنمية من دونه.
وقد أدركت القيادة السياسية المصرية، منذ البداية، أن بناء الجمهورية الجديدة لا يقوم على تشييد الحجر وحده، وإنما يبدأ ببناء البشر. ولذلك جاءت المبادرات والمشروعات القومية التي جعلت الإنسان في قلب عملية التنمية، وفي مقدمتها المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، التي لم تتعامل مع القرية المصرية باعتبارها مكانًا يحتاج إلى مرافق وخدمات فقط، وإنما باعتبارها مجتمعًا يحتاج إلى تنمية شاملة تمس الإنسان في تعليمه وصحته ووعيه وفرصه في الحياة.
وفي هذا السياق، أصبح محو الأمية جزءًا من مفهوم «الحياة الكريمة»؛ لأن الكرامة لا تكتمل ببيت آمن أو طريق ممهد أو خدمة متاحة، إذا ظل الإنسان محرومًا من مفتاح المعرفة.
وقد حققت المرحلة الأولى من «حياة كريمة» نتائج مهمة في هذا المجال؛ إذ أظهرت البيانات الرسمية محو أمية 596 ألف مواطن في القرى المستهدفة خلال الفترة من 2021/2022 حتى 2024/2025، كان نصيب صعيد مصر منهم نحو 377 ألف مواطن، بنسبة 63%. والأكثر دلالة أن سوهاج جاءت في مقدمة المحافظات بعدد 134 ألف مواطن تم تحريرهم من الأمية في إطار جهود المبادرة.
وهنا تتضح فلسفة الدولة بجلاء: التنمية التي لا تصل إلى العقل تظل ناقصة، والمشروع الذي لا يغير حياة الإنسان من الداخل لا يحقق كامل غايته.
ولأن الجامعات ليست جزرًا معرفية معزولة عن مجتمعاتها، فقد كان طبيعيًا أن يكون لها موقع متقدم في هذه المعركة الوطنية. فالجامعة التي تخرج آلاف الطلاب كل عام تستطيع أن تحول طلابها من متلقين للمعرفة إلى شركاء في إنتاج الأثر المجتمعي.
وهذا هو الدور الذي ينبغي أن نراه في جامعاتنا المصرية اليوم: جامعة لا تكتفي بأن تمنح شهادة، وإنما تمنح المجتمع معرفة؛ لا تكتفي بتخريج طالب، وإنما تخرّج مواطنًا يشعر بمسؤوليته تجاه المكان الذي يعيش فيه؛ ولا تكتفي بالبحث عن ترتيب أكاديمي، وإنما تبحث كذلك عن ترتيب متقدم في خدمة الإنسان.
وفي هذا المشهد، تأتي جامعة سوهاج نموذجًا يستحق التوقف أمامه.
فقد اختارت الجامعة أن تتعامل مع قضية محو الأمية باعتبارها مسؤولية وطنية ومجتمعية، وأن تجعل من طلابها قوة فاعلة في هذه المعركة. ومن خلال مركز تعليم الكبار، والتعاون مع الهيئة العامة لتعليم الكبار، وكليات الجامعة المختلفة، تحولت جهود محو الأمية إلى عمل مؤسسي ممتد، تتكامل فيه المعرفة الأكاديمية مع احتياجات المجتمع.
ولم يكن هذا الجهد مجرد شعار؛ فقد أعلنت جامعة سوهاج في يوليو 2026 حصولها على المركز الثالث على مستوى الجامعات المصرية في مشروع محو الأمية وفق نتائج دورة أبريل 2026، بعد نجاحها في محو أمية 9,928 مواطنًا، من إجمالي 12,124 دارسًا مقيدًا بالدورة، بما يعكس حجم الجهد الذي بذله طلاب الجامعة وأعضاء هيئة التدريس والعاملون بها وشركاؤها في هذا المشروع الوطني.
وهنا يصبح الرقم أكثر من رقم.
9,928 إنسانًا تعني 9,928 نافذة جديدة فُتحت على الحياة.
تعني أمًا أصبحت قادرة على قراءة دوائها، وأبًا يستطيع قراءة ورقة أو توقيع معاملة، وشابًا استعاد ثقته بنفسه، وإنسانًا أصبح أكثر قدرة على متابعة أبنائه وفهم حقوقه والتعامل مع عالم يتغير كل يوم.
وراء كل رقم في ملف محو الأمية قصة إنسان؛ ولذلك فإن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد من اجتازوا اختبارًا، وإنما بعدد الحيوات التي تغيرت.
ومن هنا يبرز الدور المحوري لـ قطاع خدمة المجتمع وتنمية البيئة بجامعة سوهاج؛ ذلك القطاع الذي يمثل الجسر بين الجامعة والمجتمع، والذي تتحول من خلاله المعرفة الجامعية إلى ممارسة، والبحث العلمي إلى خدمة، وطاقات الطلاب إلى قوة تنموية حقيقية.
إن قطاع خدمة المجتمع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره قطاعًا تنظيميًا داخل الجامعة، بل باعتباره ضمير الجامعة المتصل بقضايا المجتمع.
فحين تخرج الجامعة إلى القرية، فهي لا تحمل معها المحاضرات والكتب فقط؛ وإنما تحمل رسالة تقول للمواطن: أنت جزء من اهتمامنا، ومشكلتك جزء من مسؤوليتنا، ومستقبلك جزء من مستقبل هذا الوطن.
وفي مجال محو الأمية، تتجسد هذه الفلسفة بوضوح؛ فقد نظم قطاع خدمة المجتمع وتنمية البيئة بجامعة سوهاج، بالتعاون مع مركز تعليم الكبار والهيئة العامة لتعليم الكبار، برامج وندوات لتوعية الطلاب بدورهم المجتمعي في تعليم الكبار. كما نظم القطاع في فبراير 2026 دورة تدريبية مجانية عبر الإنترنت حول مهارات التدريس في فصول محو الأمية وتعليم الكبار شارك فيها نحو 700 طالب وطالبة من مختلف كليات الجامعة.
وهنا تكمن قيمة التجربة: أن الطالب الجامعي لا يتعلم فقط كيف ينجح في الامتحان، بل يتعلم كيف ينجح في خدمة الإنسان.
إنها صورة مختلفة للجامعة التي نريدها؛ جامعة تفتح أبوابها للمجتمع، وتخرج منه إليه، وتضع العلم في مكانه الطبيعي: في خدمة الإنسان.
ولعل ما يجعل تجربة جامعة سوهاج أكثر أهمية أنها لا تتحرك منفردة، بل في إطار شراكات مع الهيئة العامة لتعليم الكبار ومؤسسات المجتمع، بما يتيح حصر المستهدفين، وتدريب الطلاب، وفتح الفصول، والوصول إلى القرى والمراكز والأحياء، وتذليل العقبات أمام الدارسين.
وهذا هو معنى الشراكة الحقيقية: أن تتلاقى مؤسسات الدولة حول هدف واحد، وأن يصبح المواطن هو نقطة الالتقاء بينها جميعًا.
لكننا، ونحن نتحدث عن محو الأمية في عام 2026، لا نستطيع أن نتوقف عند القراءة والكتابة بمعناهما التقليدي.
فالعالم تغير.
والتحدي تغير.
والأمية نفسها تغيرت.
نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يحمل مكتبة كاملة داخل هاتفه، لكنه قد يصدق معلومة زائفة في ثوانٍ. يستطيع أن يكتب إلى الذكاء الاصطناعي ويحصل على إجابة فورية، لكنه قد لا يعرف كيف يتحقق من صحتها. يستطيع أن يصل إلى ملايين الصفحات، لكنه قد يعجز عن التمييز بين المعرفة والتضليل.
ومن هنا، فإن الأمية الجديدة هي أمية الوعي.
أمية التعامل مع المعلومة.
أمية التفكير النقدي.
أمية التحقق.
أمية الاستخدام الآمن والواعي للتكنولوجيا.
أمية القدرة على اكتشاف التضليل.
ولذلك فإن المعركة القادمة لمحو الأمية يجب أن تكون أوسع من تعليم الحروف؛ يجب أن تكون معركة من أجل إنسان يقرأ، ويفهم، ويتحقق، ويفكر، ويختار.
وهنا تصبح الجامعات أمام مسؤولية تاريخية؛ لأنها تمتلك المعرفة، والخبرات، والطلاب، وأعضاء هيئة التدريس، ومراكز التدريب، والقدرة على إنتاج حلول جديدة تتناسب مع تحديات العصر.
كما تصبح قطاعات خدمة المجتمع وتنمية البيئة أمام فرصة لأن تنتقل بمفهوم الخدمة المجتمعية من تقديم الخدمة إلى بناء القدرة على الاعتماد على الذات.
فليس الهدف أن نعلم الإنسان كيف يقرأ فقط، وإنما أن نمنحه القدرة على أن يواصل التعلم بعد أن تنتهي الحصة.
وليس الهدف أن نحرره من الأمية اليوم، وإنما أن نحميه من العودة إليها غدًا في صورها الجديدة.
إن مصر التي تبني مدنًا جديدة، وتطور قرى، وتوسع شبكات الطرق والخدمات، وتستثمر في التحول الرقمي، وتخوض معركة التنمية الشاملة، تحتاج إلى مواطن يستطيع أن يكون شريكًا في كل ذلك.
فلا يمكن أن نبني اقتصاد معرفة بعقول محرومة من المعرفة.
ولا يمكن أن نصنع تحولًا رقميًا دون إنسان قادر على التعامل الواعي مع التكنولوجيا.
ولا يمكن أن نحقق تنمية مستدامة إذا ظل جزء من المجتمع خارج دائرة التعلم.
ولهذا فإن محو الأمية ليس ملفًا هامشيًا على أجندة التنمية؛ إنه أحد مفاتيحها الأساسية.
وفي اليوم العالمي لمحو الأمية، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل بيت، وكل مدرسة، وكل جامعة، وكل مؤسسة، هي أن التعليم ليس مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة، وإنما رحلة تبدأ بالحرف ولا تنتهي.
أما الرسالة إلى كل طالب جامعي، فهي أكثر تحديدًا:
لا تجعل سنواتك في الجامعة تضيف إلى رصيدك العلمي فقط؛ اجعلها تضيف إنسانًا جديدًا إلى رصيد الوطن.
علّم إنسانًا أن يقرأ، وستكون قد فتحت له بابًا.
علّمه أن يفكر، وستكون قد منحته طريقًا.
علّمه أن يتحقق، وستكون قد منحته حماية.
علّمه أن يتعلم باستمرار، وستكون قد منحته مستقبلًا.
وهكذا تتحول الجامعة من مؤسسة تعليمية إلى قوة تغيير، ويتحول الطالب من دارس إلى شريك في التنمية، ويتحول قطاع خدمة المجتمع وتنمية البيئة من مجرد قطاع خدمي إلى منصة وطنية لصناعة الأثر.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما يمكن أن نقوله في اليوم العالمي لمحو الأمية هو أن الأمية ليست قدرًا.
هي باب يمكن فتحه.
وظلمة يمكن أن يدخل إليها النور.
وإنسان يمكن أن يستعيد حقه في أن يقرأ العالم من حوله، وأن يكتب اسمه، وأن يختار طريقه، وأن يشعر للمرة الأولى أن المعرفة ليست امتيازًا بعيدًا عنه، وإنما حق أصيل من حقوقه.
لقد علمتنا التجربة أن الدولة حين تضع الإنسان في قلب مشروعها، وأن الجامعة حين تفتح ذراعيها لمجتمعها، وأن الطالب حين يؤمن بأن علمه أمانة، فإن المستحيل يبدأ في التراجع.
وفي جامعة سوهاج، كما في جامعات مصرية كثيرة، لا ينبغي أن يكون المركز الثالث في محو الأمية محطة وصول، بل محطة انطلاق نحو مركز أول في صناعة الوعي، وفي بناء الإنسان، وفي تحويل المعرفة إلى حياة.
فالوطن لا يُقاس فقط بعدد المشروعات التي شُيدت على أرضه، وإنما بعدد العقول التي أُضيئت، والقلوب التي استعادت ثقتها، والإنسان الذي أصبح أكثر قدرة على أن يصنع مستقبله.
وربما يبدأ تحرير الإنسان من الأمية بحرف واحد… لكن تحرير الوطن من الجهل يحتاج إلى أمة كاملة تؤمن بأن المعرفة حق، وأن الوعي قوة، وأن بناء الإنسان هو أعظم مشروعات الوطن.
