recent
عـــــــاجــــل

الربابة.. صوت الصحراء وذاكرة الحكايات الشعبية

 

الربابة.. صوت الصحراء وذاكرة الحكايات الشعبية

الربابة.. صوت الصحراء وذاكرة الحكايات الشعبية



كتبت - أريج مدحت إسماعيل



تحتفظ الربابة بمكانة خاصة بين الآلات الموسيقية التي ارتبطت بالتراث الشعبي، فلم يكن حضورها مقصورًا على صناعة الألحان، وإنما امتد إلى الغناء والشعر والحكايات والمجالس التي شكلت جانبًا من الحياة الثقافية في مجتمعات عربية عديدة. وعلى امتداد سنوات طويلة، ظل صوتها حاضرًا رغم التحولات التي طرأت على الموسيقى وتنوع الآلات وأساليب العزف.


وتنتمي الربابة إلى الآلات الوترية التي يصدر صوتها من اهتزاز الأوتار، ويستخدم العازف القوس لإنتاج نغماتها. ولا تتخذ الربابة شكلًا واحدًا في مختلف البيئات، إذ تنوعت تصميماتها وطرق صناعتها تبعًا للمنطقة التي ظهرت فيها، فوجدت منها نماذج مستطيلة وسداسية وبيضاوية ودائرية وغيرها.


وفي مصر، عرفت الربابة التقليدية بتصميم يعتمد على جسم رنان مغطى بالجلد، مع أوتار تنتج صوتها المميز، بينما استخدمت بعض النماذج قشرة جوز الهند ضمن مكونات صندوق الرنين. وتعتمد صناعتها في صورتها التقليدية على خامات بسيطة، أبرزها الخشب والجلد، مع اختلاف المواد والتفاصيل الفنية من منطقة إلى أخرى.


ولم تتوقف خصوصية الربابة عند شكلها، إذ تحولت صناعتها نفسها إلى حرفة تراثية تعتمد على خبرة الحرفيين ومهاراتهم المتوارثة، خاصة مع استخدام الزخارف والحفر في بعض النماذج. ولذلك ارتبط الحفاظ على الآلة بالحفاظ على تقاليد صناعتها وأساليب إعدادها للعزف.


وفي التراث المصري، ارتبطت الربابة بالغناء الشعبي والحكايات، واستخدمها العازفون لمصاحبة أصوات المغنين والرواة. وكان العازف يمسك الآلة في وضع رأسي ويستخدم القوس لإنتاج النغمات، لتشكل الموسيقى خلفية للحكاية وتمنحها إيقاعًا وصوتًا يميزها عن غيرها من أشكال الأداء الشعبي.


وفي البيئات البدوية ومجالس الشعر، اكتسبت الربابة حضورًا واضحًا، وساعدت بساطة تصميمها وسهولة حملها على انتشارها بين المجتمعات التي اعتمدت على الترحال. ومع الوقت، أصبح صوتها جزءًا من جلسات الشعر والغناء والرواية، وأداة ترافق القصص الشعبية وتساعد على انتقالها من جيل إلى آخر.


ولا يعني انتشار اسم الربابة أن الآلة جاءت بصورة واحدة في جميع البلدان، فالنماذج المعروفة في مصر وشمال أفريقيا والجزيرة العربية وغيرها تختلف في أشكالها وعدد أوتارها وطرق العزف عليها. كما ظهرت في مناطق أخرى من العالم آلات تحمل أسماء متقاربة، لكنها تختلف في تركيبها ووظيفتها، وهو ما يعكس تنوع التجارب الموسيقية المرتبطة بهذا الاسم.


وتتجاوز أهمية الربابة كونها آلة موسيقية، فهي تحمل جانبًا من الذاكرة الشعبية للمجتمعات التي احتفظت بها، وارتبطت بمناسبات اجتماعية وألوان من الغناء والشعر والحكي. كما تمثل صناعتها نموذجًا للحرف التراثية التي تنتقل خبراتها بالممارسة والتدريب من جيل إلى آخر.


وبقيت الربابة حاضرة بصوتها المميز، تحمل من أوتارها حكايات أجيال عاشت مع الشعر والغناء الشعبي، وتذكر بأن بعض الآلات لا تُقاس قيمتها الموسيقية فقط، وإنما بما تختزنه من ذاكرة الناس وتاريخهم وعاداتهم. ولعل هذا ما منح الربابة قدرتها على البقاء، لتظل واحدة من الأصوات التي تحفظ للتراث الشعبي حضوره في الذاكرة.


google-playkhamsatmostaqltradent