بين الذات والآخر: تجربة الاغتراب السيكولوجي في المجموعة القصصية “حضن فائت” للدكتور سعيد محمد المنزلاوي
بقلم الباحثة: ياسمين حسن
تأتي المجموعة القصصية “حضن فائت” للدكتور سعيد محمد المنزلاوي في صورة تجربة سردية تنشغل بقضايا الأسرة والعلاقات الزوجية، وما يترتب على اضطرابها من آثار نفسية واجتماعية تمتد إلى الزوجين والأبناء معًا،وما تخلقه من حالات اغتراب نفسي وشعور بالانفصال عن الآخر. ولا تقف المجموعة عند لحظة الانفصال بوصفها نهاية لعلاقة زوجية فحسب، وإنما تتتبع ما يسبقها من أسباب ومقدمات، وما يعقبها من ندَم وحرمان ووحدة وذكريات، وكأن الكاتب يحاول أن يرصد سلسلة متصلة من الخسارات تبدأ بشرخ صغير، ثم تتسع حتى تتحول إلى حياة كاملة من الفقد.
ولعل أول ما يلفت النظر في هذه المجموعة هو عنوانها “الحضن الفائت”، وهو عنوان ذو حمولة عاطفية وإيحائية واضحة؛ فالحضن في دلالته المباشرة تعبير عن القرب والأمان والاحتواء، أما وصفه بـ«الفائت» فيحيله إلى شيء كان ينبغي أن يحدث ولم يحدث، أو حدث في غير وقته، أو حالت دونه مسافات وظروف كان يمكن تجاوزها. ومن هنا يصبح «الحضن الفائت» رمزًا لكل ما ضاع في لحظة كان يمكن فيها إنقاذ علاقة أو احتواء إنسان أو إصلاح شرخ قبل أن يستحيل انهيارًا.
ولا تكشف القراءة الأولى للعنوان عن دلالته الكاملة، وإنما تتضح هذه الدلالة تدريجيًا مع التوغل في نصوص المجموعة، التي جاءت في ثلاث لوحات هي: «الصدع»، و«السراب»، و«اليتم». ويبدو اختيار لفظ «اللوحات» ملائمًا لطبيعة البناء؛ إذ تقدم كل لوحة مشاهد متتابعة من الحياة الزوجية، تتكامل فيما بينها لتكوين صورة واسعة عن الانفصال وآثاره، بينما يظل عنوان المجموعة حاضرًا في خلفية هذه المشاهد بوصفه دالًا مركزيًا على الاحتياج الإنساني إلى الحنان والاحتواء.
أولًا: لوحة «الصدع»
جاءت لوحة «الصدع» في خمس قصص هي: «حضن فائت»، و«الصدع»، و«شهادة وفاة»، و«الرسالة»، و«غصن البان»، إلى جانب النص الذي يحمل عنوان اللوحة، وتدور في مجموعها حول الانفصال بين الزوجين، وأسبابه والعوامل المؤدية إليه، والآثار النفسية والاجتماعية التي يخلفها، ولا سيما في ظل وجود الأبناء.ويستهل الكاتب هذه اللوحة بقوله:
“ثمة أحداث كانت من الحدة ما جعلها تحدث شروخًا في جدران البيت، ما جعله عرضة للسقوط في أية لحظة”.
ويكشف هذا الاستهلال عن الدلالة المركزية التي تنهض عليها اللوحة؛ فالبيت هنا ليس مجرد مكان مادي، وإنما هو كيان إنساني يمكن أن تصيبه الشروخ قبل أن ينهار. والصدع لا يعني الانهيار الكامل منذ اللحظة الأولى، وإنما يمثل مرحلة وسطى بين السلامة والسقوط؛ ومن ثم فإن اختيار الكاتب لهذا اللفظ يحمل دلالة دقيقة على طبيعة العلاقات الزوجية التي تتعرض للاضطراب، إذ قد تبدأ المشكلة صغيرة، ثم تتسع بفعل تراكم الخلافات والتدخلات وسوء الفهم حتى يصبح الانفصال نتيجة شبه حتمية.
“حضن فائت”
في القصة الأولى، «حضن فائت»، يستشعر الأستاذ شكري يتمه في لحظة كان يفترض أن تكون من أسعد لحظات حياته؛ لحظة تكريمه معلمًا مثاليًا. فعلى الرغم من وجود الجميع حوله، وعلى الرغم من احتفاء طلابه به ومناداتهم له بـ«بابا شكري»، فإن هذا الاحتواء الجماعي لا يستطيع أن يعوض غياب ابنه. وهنا تتجلى المفارقة بين الحضور الجسدي والحضور العاطفي؛ فالأستاذ محاط بالناس، لكنه يشعر بالوحدة، لأن الشخص الذي كان ينتظر وجوده تحديدًا غائب. كان يتمنى أن يعانقه ابنه في هذه اللحظة، وأن يرى الفخر بأبيه في عينيه، وأن يبادله هو أيضًا ذلك الفخر أمام الناس. إلا أن غياب الابن يحول فرحة التكريم إلى لحظة ألم عميق، حتى ينتهي الأمر بإعيائه ودخوله المستشفى.
ومن هنا تتضح الدلالة المباشرة لعنوان المجموعة؛ فـ«الحضن الفائت» هو في هذه القصة عناق افتقده الأب في مناسبة فارقة من حياته، وكان في أشد الاحتياج إليه. ولم يعد الغياب مجرد غياب شخص عن مناسبة، وإنما تحول إلى حرمان عاطفي، فالانفصال بين الأبوين لم يعد مقصورًا على الزوجين، بل امتد أثره إلى علاقة الأب بابنه، وحال دون وجوده في اللحظة التي كان الأب يتمنى فيها أن يراه إلى جواره.
“الصدع”
أما قصة “الصدع”، فيحمل عنوانها دلالة الشق والانكسار في الشيء الصلب، كالحائط أو الزجاج، من غير أن ينفصل أجزاؤه بالضرورة انفصالًا كاملًا. وهذه الدلالة تنتقل إلى العلاقة الزوجية؛ فالشرخ الذي يصيب الحياة الزوجية قد يقود إلى الانفصال، لكنه لا يلغي بالضرورة الروابط التي تظل قائمة بين الزوجين، وفي مقدمتها الأبناء.
وتطرح القصة قضية شديدة الخطورة تتمثل في إقحام الآخرين في الخلافات الزوجية وإفشاء أسرار الحياة الخاصة. فقد يلجأ بعض الأزواج إلى الفضفضة أو طلب المشورة ظنًا منهم أنهم يبحثون عن حل، غير أن نقل المشكلات الخاصة إلى الآخرين قد يحولها من خلاف قابل للاحتواء إلى أزمة يصعب علاجها، خصوصًا حين يدخل أصحاب المصالح أو أصحاب النفوس غير السوية على خط العلاقة.
وهنا لا يقدم الكاتب التدخل الخارجي بوصفه مجرد فعل محايد، وإنما يكشف عن الوجه الآخر له؛ فهناك من يتدخل للإصلاح، وهناك من يزيد النار اشتعالًا، وهناك من قد يجد في انهيار البيت مصلحة له. وهكذا تتدرج الأحداث من مشكلة أسرية إلى شرخ، ومن الشرخ إلى انهيار، حتى يصبح الطلاق أهون من استمرار الصراع، أو يصبح الانفصال حلًا لتجنب نتائج أكثر خطورة. ويعود عنوان المجموعة هنا مرة أخرى بوصفه حلًا غائبًا؛ فلو وُجد الاحتواء بين الزوجين، ولو تمكن كل طرف من الوصول إلى الآخر قبل أن تتدخل الأيدي الخارجية، ربما أمكن احتواء الصدع قبل أن يتحول إلى انهيار.
“شهادة وفاة”
وفي قصة “شهادة وفاة” يتحول الانفصال من مجرد احتمال إلى حقيقة معلنة؛ فـ«شهادة الوفاة» هنا ليست شهادة بوفاة إنسان، وإنما إعلان عن وفاة الحياة الزوجية بعد استنفاد سبل استمرارها. ويصور الكاتب لحظة الطلاق بوصفها لحظة شديدة القسوة على النفس، حتى إن المرء قد يجدها أشد من احتمال الحياة الزوجية نفسها، مهما بلغت مرارتها. ثم لا يلبث أن يكشف عن مفارقة مؤلمة تتمثل في انكشاف الحقائق بعد وقوع الانفصال؛ إذ يظهر بعض الذين قدموا أنفسهم في البداية في صورة المصلحين، ثم يتحولون إلى مهنئين بالطلاق، بل ويدفعون الطرفين إلى بدء حياة جديدة، وكأن المأساة التي شاركوا في صناعتها لم تكن تعنيهم. وتكشف القصة بذلك عن ازدواجية بعض المواقف الاجتماعية، حين تتغير لغة الأشخاص بتغير النتيجة، ويصبح من كان يدّعي الخوف على البيت أول من يحتفل بانهياره.
“الرسالة”
أما قصة “الرسالة”، فتأتي بوصفها نتيجة من نتائج الطلاق؛ إذ تصل إلى الزوج رسالة من محكمة الأسرة، فتبدأ مرحلة جديدة من الصراع، يكون فيها الانفصال انتقالًا من الخلاف العاطفي إلى النزاع المادي والقانوني.
ويعرض الكاتب، من خلال منظور الشخصية وتجربتها، صورة لزوج يرى أن الإجراءات التي وضعت في الأصل لحفظ الحقوق قد تتحول في بعض الحالات إلى أداة للنزاع والاستنزاف. ولا ينبغي هنا فصل القضية عن طبيعة الشخصية القصصية؛ فالرجل في القصة ينظر إلى ما حدث إليه بوصفه ظلمًا واستغلالًا، خصوصًا أنه قدم كل ما يستطيع من أجل ابنه، ثم وجد نفسه بعد الانفصال محرومًا ليس فقط من ماله، وإنما من علاقته بابنه.
وهنا يصبح الحرمان المادي أقل قسوة من الحرمان العاطفي؛ فالإنسان قد يحتمل فقد المال، لكنه لا يحتمل بالضرورة أن يُحرم من طفل بذل من أجله عمره وماله. ومن ثم يعود عنوان المجموعة في هذه القصة ليأخذ دلالة جديدة؛ فالحضن الذي كان يمكن أن يعوض الأب عن مشقة الإنفاق والتعب لم يصل إليه، وظل الابن بالنسبة إليه حضنًا فائتًا، لا يعوضه عنه شيء.
“غصن البان”
وفي قصة “غصن البان” ينتقل الكاتب إلى مرحلة ما بعد الانفصال، حيث يصبح الندم أكثر حضورًا، ويصبح الأبناء محورًا للحرمان والتحسر. فالأب الذي أنفق ماله في سبيل أبنائه يجد نفسه في الوقت ذاته محرومًا منهم، كما يجد أن بناء حياة جديدة ليس أمرًا يسيرًا؛ فالمادة، وفارق العمر، والمرض، وغيرها من العوامل قد تحول دون الزواج من جديد. وتزداد مأساة الشخصية حين ترى أمامها أبًا مع ابنه في مشهد حميم، فتتولد في داخلها رغبة عميقة في امتلاك ما فقدته: ولد يكون إلى جواره، ويمنحه ذلك الدفء الذي افتقده. غير أن الحاجز الذي يفصل بينه وبين ابنه ليس مسافة مكانية، وإنما واقع اجتماعي وأسري أصبح أقوى من الرغبة في اللقاء.
ومن هنا يمكن النظر إلى «غصن البان» بوصفها خاتمة مناسبة لمسار لوحة «الصدع»؛ فبعد أن رأينا الشرخ، ثم الانفصال، ثم آثاره النفسية والمادية، نصل إلى الإنسان الذي يعيش نتائج اختياره أو ظروفه، ويكتشف أن ما ضاع منه لا يمكن استعادته بسهولة.
وهكذا تتدرج لوحة «الصدع» من الشرخ الأول إلى نتائجه؛ فتبدأ بافتقاد الحضن في لحظة احتياج، ثم تتناول أسباب تهدم البيوت، ثم لحظة الطلاق، وما يعقبها من صراع واستنزاف، وصولًا إلى التحسر على الأبناء وضياع سنوات من العمر. وبذلك لا يكون «الصدع» مجرد عنوان لإحدى اللوحات، وإنما يصبح حالة ممتدة تصيب البيت والعلاقة والذاكرة والإنسان نفسه.
ثانيًا: لوحة «السراب»
تأتي اللوحة الثانية بعنوان «السراب»، والسراب في دلالته المعجمية والمجازية هو الوهم الذي يبدو للناظر حقيقة، ثم يتكشف له عند الاقتراب أنه لا شيء. ومن هنا يكتسب العنوان بعدًا دلاليًا يتصل بما يراه الإنسان بعد فوات الأوان؛ فقد يظن أنه يهرب من واقع مؤلم إلى مستقبل أفضل، ثم يكتشف أن ما ظنه خلاصًا لم يكن سوى سراب. ويستهل الكاتب هذه اللوحة بقوله:
“البعض يمسك بمعاول الهدم، مقوضًا ما قد بناه، دون أن يدرك أن البنيان سيسقط أول ما يسقط على رأسه هو”.
ويكشف هذا الاستهلال عن رؤية اللوحة؛ فهدم البيت لا يصيب طرفًا واحدًا، وإنما يرتد أثره على من شارك في هدمه، وربما كان أكثر من يتأذى هو الشخص الذي ظن أنه يتخلص من عبء، فإذا به يفقد أشياء لا يمكن تعويضها.
“السراب”
تتناول القصة الأولى قضية اختلاف الاهتمامات بين الزوجين وغياب المشاركة الوجدانية والفكرية. فالزوج ينغمس في أعماله وهواياته إلى الحد الذي يجعله يغفل عن احتياجات زوجته العاطفية، فيصبح البعد بينهما نوعًا من الخيانة، لا خيانة الجسد، وإنما خيانة المشاعر. وفي المقابل، لا تقدم القصة الزوجة بوصفها بريئة تمامًا من المسؤولية؛ إذ تلجأ إلى رد فعل اندفاعي يتمثل في حرق أوراق زوجها وكتبه، وهي أشياء تحمل بالنسبة إليه قيمة معنوية كبيرة. وهنا يتحول الخلاف من مشكلة يمكن علاجها بالحوار والمشاركة إلى فعل تدميري يقطع الطريق على إمكان الإصلاح. وكان يمكن للزوجة، وفق ما تطرحه القصة، أن تبحث عن وسائل أخرى للاحتواء؛ أن تشارك زوجها اهتماماته، وأن تصارحه بما ينقصها، وأن تحاول تقريب المسافات بينهما قبل أن تصل العلاقة إلى نقطة اللاعودة. كما أن الزوج بدوره لم يكن بعيدًا عن المسؤولية؛ فقد انغمس في عالمه الخاص على حساب زوجته وطفله، ولم يمنحهما من المشاركة العاطفية ما تحتاج إليه الأسرة.
ومن ثم فإن المسؤولية هنا مشتركة، لأن العلاقة الزوجية لا تنهار عادة بسبب فعل منفرد، وإنما نتيجة تراكمات قد يسهم فيها الطرفان بدرجات مختلفة. وتصل القصة إلى مفارقة مؤلمة؛ فالزوجة التي أرادت التخلص من الأشياء التي تبعد زوجها عنها انتهت إلى فقدان الزوج نفسه. وبعد رحيله، تبدأ في إدراك قيمته، وتبكي ما أضاعته، وتنتظر عودته كما يُنتظر السراب؛ تراه العين، لكنها لا تستطيع بلوغه.
وهنا يتجلى العنوان في أوضح صوره؛ فقد ظنت الشخصية أنها تتجه نحو خلاص، فإذا بها تكتشف أنها كانت تركض خلف سراب، وأن الحضن الذي كان يمكن أن يحتوي الطرفين قبل الانهيار قد فات.
“الجدران الباردة”
وتأتي قصة “الجدران الباردة” امتدادًا للقصة السابقة، فالجدران الباردة توحي بغياب الدفء والاحتواء، وتحول البيت من مكان للسكن إلى مكان تسيطر عليه الوحدة والسقيع العاطفي.
تراقب الزوجة السابقة زوجها في يوم زفافه من امرأة أخرى، فتتبع نظراته ونظرات عروسه الجديدة، وتقارن بين حاله معها وحاله مع الأخرى. وتبدأ رحلة طويلة من الاسترجاع والمراجعة، فتتذكر ما كان عليه زوجها من ود وطيبة، وتكتشف بعد فوات الأوان ما كانت قد فقدته. ويزداد شعورها بالندم حين ترى أن زوجها استطاع أن يبدأ حياة جديدة بعد فترة قصيرة من الانفصال، وأنه أنجب من زوجته الجديدة توأم، بينما تتذكر ما كان بينها وبينه من حرمان عاطفي وأسري.
وهكذا يصبح الزمن نفسه عنصرًا من عناصر المفارقة؛ فما ظنته الزوجة يومًا قرارًا سهلا أو وسيلة للضغط على الزوج، يتحول بعد سنوات إلى واقع دائم لا يمكن التراجع عنه بسهولة.
“حطام امرأة”
وفي قصة “حطام امرأة” يستكمل الكاتب مصير الزوجة بعد زواج طليقها من أخرى وإنجابه منها، وبعد أن يكبر الأبناء وينشغل كل منهم بحياته. وتكشف القصة عن التحول الذي طرأ على حياة المرأة؛ فقد أصبحت وحيدة بعدما كانت تظن أن أبناءها سيظلون دائمًا حولها، ثم وجدت أن لكل منهم حياته الخاصة، وأن الأقارب انشغلوا بأنفسهم، وأن العمر مضى بها حتى وجدت نفسها أمام فراغ كبير. وقد وفق الكاتب في منح القصة ثلاث نهايات محتملة، وهو اختيار فني يفتح النهاية على أكثر من مصير ممكن، ويجعل القارئ شريكًا في تصور مستقبل الشخصية.
النهاية الأولى تتمثل في ذهاب الزوجة إلى طليقها، واعترافها بخطئها وندمها، وطلبها العودة إليه، مع موافقتها على بقائه مع زوجته الأخرى. ويلمس الزوج صدقها ويوافق على عودتها، وهي نهاية تحمل معنى المصالحة بعد الاعتراف بالخطأ.
أما النهاية الثانية فتضع الشخصية أمام احتمال أكثر قسوة، إذ تدفعها الوحدة والاحتياج إلى الانحراف وراء نزواتها، فتسلك طريقًا معوجًا بحثًا عن التعويض.
بينما تأتي النهاية الثالثة أكثر ارتباطًا بالأبناء، إذ تستجدي قربهم ورضاهم، وتقبل بالقليل منهم، وهي تستعيد نصيحة جدتها: “ظل رجل ولا ظل حائط”.
وتكمن أهمية تعدد النهايات هنا في أن الكاتب لا يغلق مصير الشخصية على احتمال واحد، وإنما يتركها أمام نتائج متعددة يمكن أن تقود إليها الوحدة والندم، كما يمنح القارئ فرصة للمشاركة في استكمال المصير.
وتحمل القصة تحذيرًا واضحًا من اتخاذ قرار الانفصال في لحظة غضب أو انفعال، وتكشف أن الإنسان قد لا يدرك قيمة ما يملكه إلا بعد أن يفقده. فالسنوات تمضي، والأبناء يكبرون، وتتغير العلاقات، وقد يجد الإنسان نفسه في النهاية أمام فراغ لم يكن يتوقعه.
ومن هنا يعود «السراب» مرة أخرى؛ فالحياة التي تخيلتها الشخصية بعد الانفصال ربما بدت في لحظة ما أكثر إشراقًا، لكنها حين اقتربت منها اكتشفت أنها لم تكن كما تخيلت.
“ألبوم صور”
وفي قصة “ألبوم صور” يستدعي الكاتب الماضي من خلال الصور والرسائل والذكريات؛ فتجلس المرأة أمام تاريخها القديم، وتستعيد صورها مع زوجها الذي انفصلت عنه منذ عشر سنوات، وتقرأ خطاباتهما وتستعيد الكلمات العذبة التي كانت تجمعهما.
غير أن لحظة استدعاء الماضي تتحول إلى مواجهة مع الحاضر؛ فعندما تفتح عينيها تجد نفسها وحيدة، وقد تغيرت ملامحها، وتقدم بها العمر، ولم يعد شيء كما كان. ويأتي حضور أغنية أم كلثوم “فات الميعاد” ليضاعف الإيحاء النفسي للمشهد؛ فالأغنية لا تأتي مجرد خلفية صوتية، وإنما تتآزر مع حالة الشخصية لتؤكد معنى الزمن الضائع والفرصة التي لم تعد قابلة للاسترداد.
وتناقش القصة بذلك مشاعر ما بعد الانفصال، وقدرة الذاكرة على الاحتفاظ بما عجز الواقع عن الاحتفاظ به. فالصور لا تزال موجودة، والخطابات لا تزال تحمل الكلمات، لكن أصحابها تغيروا، واللحظة التي صنعت تلك الذكريات لم تعد موجودة.
وتتأكد هنا إحدى أهم دلالات «السراب»: أن الإنسان قد يمتلك الشيء ثم لا يدرك قيمته، ثم يظل يبحث عنه بعد فقده، فلا يجد منه إلا صورة أو ذكرى.
وتبدو هذه القصة خاتمة دلالية مناسبة للوحة «السراب»؛ إذ يصل الندم إلى أقصى درجاته عندما يصبح الماضي محفوظًا في الصور والرسائل، بينما لا يستطيع صاحبه استعادته في الواقع.
و تأتي اللوحة الثالثة والأخيرة بعنوان «اليتم»، وقد جاءت في ثلاث قصص هي: «العاقبة»، و«الرؤية»، و«اليتم». وإذا كانت اللوحتان السابقتان قد انشغلتا بأسباب الانفصال وآثاره على الزوجين، فإن هذه اللوحة تنقل زاوية الرؤية إلى الطرف الأكثر تأثرًا بما يحدث بينهما، وهم الأبناء. ويصبح «اليتم» هنا ذا دلالتين؛ الأولى يتم مجازي ينشأ من غياب الأب عن حياة أبنائه وهو لا يزال على قيد الحياة، والثانية يتم حقيقي يتحقق بمفارقة الأب الحياة، فيتحول الحرمان المؤقت إلى فقد أبدي لا سبيل إلى تعويضه. وقد استهل الكاتب هذه اللوحة بقوله:
“هناك ضحايا لم يرتكبوا أية جريرة، وجدوا في المكان الخطأ والزمان الخطأ، فصاروا دون أن يدروا وقودًا لنيران تأججت في الهشيم”.
ويكشف هذا الاستهلال عن جوهر اللوحة؛ فالأبناء لم يكونوا طرفًا في الخلاف، ولم يشاركوا في أسبابه، ومع ذلك يدفعون ثمنه. وهم بذلك يمثلون الضحايا الأبرياء لصراع لم يصنعوه، يجدون أنفسهم في قلب آثاره من غير أن تكون لهم القدرة على دفعها أو اختيارها.
1- العاقبة
في القصة الأولى، “العاقبة”، يرصد الكاتب ما يترتب على الانفصال من أعباء تقع على عاتق الأم في تربية الأبناء، وما قد يترتب على إصرارها على إبعاد الأب عنهم من نتائج تنعكس على حياتهم.
وتكشف القصة أن غياب الأب لا يعني غياب شخص فحسب، وإنما يعني في بعض المواقف غياب دور لا يستطيع طرف آخر أن يؤديه بالطريقة نفسها. فالأم، مهما بذلت من جهد، قد تجد نفسها أمام مواقف ومسؤوليات تحتاج إلى وجود الأب ومشاركته، ولا تستطيع وحدها أن تؤدي كل الأدوار.
غير أن المشكلة تتفاقم حين يتحول الخلاف بين الزوجين إلى رغبة في إثبات الاستغناء عن الطرف الآخر، فيصبح الأبناء وسيلة لهذا الصراع من حيث لا يشعر أحد، ويُحرمون من وجود الأب لا لحاجة تربوية أو إنسانية، وإنما استمرارًا للخلاف القائم بين الوالدين.
وتحمل القصة في عنوانها «العاقبة» دلالة واضحة؛ فالأفعال لا تنتهي بانتهاء لحظتها، وإنما تترك نتائج قد تظهر بعد سنوات. وما تظنه الشخصية انتصارًا في لحظة معينة قد يتحول فيما بعد إلى خسارة يتحمل الأبناء تبعاتها، من ضياع أو فشل أو مرض أو اضطراب نفسي.
وهنا تتسع دلالة «الحضن الفائت» مرة أخرى؛ فالحضن الذي حُرم منه الأبناء لم يكن بالضرورة حضنًا بالمعنى الجسدي، وإنما كان وجودًا أبويًا كاملًا، وشعورًا بالأمان والاستقرار والانتماء إلى أسرة واحدة.
ومن ثم تبدو «العاقبة» نتيجة طبيعية لمسار بدأ في اللوحة الأولى بالصدع، ثم مر في اللوحة الثانية بالسراب والندم، ليصل في هذه اللوحة إلى الأبناء الذين يدفعون ثمن ما لم يصنعوه.
2-الرؤية
وفي القصة الثانية، “الرؤية”، يطرح الكاتب قضية احتياج الأبناء إلى أبيهم، وعدم قدرتهم على الاستغناء عنه، خصوصًا حين يكون أبًا رحيمًا ودودًا لطيفًا تربطهم به علاقة عاطفية قوية.
لكن الانفصال يتحول إلى حاجز يحول دون استمرار هذه العلاقة بصورة طبيعية؛ فلا يعود الأب جزءًا يوميًا من حياة أبنائه، وإنما يصبح وجوده مقيدًا بمواعيد محددة للزيارة والرؤية.
ويحمل عنوان القصة «الرؤية» دلالة تتجاوز معناها المباشر؛ فالرؤية في ظاهرها هي لقاء الأب بأبنائه في وقت محدد، لكنها في العمق تكشف عن المفارقة بين أن يرى الأبناء أباهم وبين أن يعيشوا معه. فالرؤية تمنحهم لحظة من القرب، لكنها لا تستطيع أن تعيد إليهم الحياة الأسرية التي فقدوها.
ولهذا لا يجد الأبناء في اللقاء الدفء الذي كانوا يجدونه في وجود الأب داخل البيت؛ فقد حل الجفاء محل الألفة، والمسافة محل القرب، وأصبح لكل طرف بيت مختلف وحياة مختلفة.
وتكمن مأساة المشهد في أن لحظة اللقاء نفسها تصبح تذكيرًا بالفقد؛ فالأبناء يرون والدهم، ثم يعودون إلى بيتهم، بينما يعود هو إلى بيته الجديد وأسرته الجديدة. وهكذا يتحول اللقاء الذي يفترض أن يكون مصدر فرح إلى تذكير دائم بأن الأسرة التي كانت تجمعهم لم تعد موجودة بالصورة نفسها.
ومن هنا تتجلى دلالة «اليتم المجازي»؛ فالأبناء لا يفتقدون أباهم لأنه مات، وإنما يفتقدونه لأنه لم يعد حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية. وهذا النوع من اليتم قد يكون أكثر تعقيدًا من الفقد النهائي؛ لأن الأب موجود، ويمكن رؤيته، لكن لا يمكن استعادة وجوده السابق.
وتكشف القصة كذلك عن أثر هذا الوضع في التكوين النفسي للأبناء؛ فالأمر لا ينتهي عند حدود الزيارة والحرمان من المشاركة اليومية، وإنما قد يترك أثرًا ممتدًا في رؤيتهم للعلاقات والأمان والأسرة، خصوصًا إذا طال الانفصال واستقر بوصفه واقعًا دائمًا.
3-اليتم
أما القصة الثالثة، “اليتم”، فتبلغ بها المجموعة ذروة دلالتها؛ إذ تكشف عن الحقيقة الغائبة التي ظلت الأم تخفيها عن ابنها وعن نفسها، حتى يأتي موت الأب ليجعل استمرار الكذب مستحيلًا.
يُلِح الابن على أمه كي تحكي له حقيقة أبيه، فتضطر بعد إصراره إلى الاعتراف بما فعلته من كذب وافتراء عليه طوال حياته، فيكتشف الابن أن الصورة التي تكونت في داخله عن أبيه لم تكن الحقيقة، وأن ما حيل بينه وبين أبيه في حياته لم يكن بسبب حقيقة تستوجب ذلك، وإنما نتيجة صراع وتشويه وحجب للحقيقة.
وهنا يتحول الفقد إلى مستويين متداخلين؛ فقد عاش الابن يتمًا مجازيًا طوال حياة أبيه، حين حُرم منه وأُبعد عنه، ثم وجد نفسه أمام يتم حقيقي بعد موت الأب، حين أصبح اللقاء به مستحيلًا إلى الأبد.
وتبدو المفارقة في أشد صورها إيلامًا؛ فالابن لم يدرك حقيقة أبيه إلا بعد أن فقد فرصة معرفته. ولو ظهرت الحقيقة في وقتها، ربما كان من الممكن أن يعيش علاقة مختلفة معه، وأن يصنع ذكريات لا يستطيع الآن استعادتها.
وتلفت القصة النظر إلى خطورة تشويه صورة أحد الوالدين أمام الأبناء؛ لأن الطفل لا يرى العالم من خلال الحقائق المجردة، وإنما يتلقى صورته عن أبيه وأمه ممن يثق بهم، فإذا زُرعت في داخله صورة مشوهة لأحدهما، فقد تنشأ لديه مشاعر سلبية تجاهه دون أن يملك أدوات التحقق من الحقيقة. ومن ثم فإن الضرر لا يقع على الأب وحده، وإنما يمتد إلى الابن نفسه؛ لأنه يُحرم من علاقة إنسانية كان من حقه أن يعيشها، ويكبر وهو يحمل صورة لم تكن مطابقة للحقيقة.
وهنا يصل عنوان المجموعة «الحضن الفائت» إلى أعمق دلالاته؛ فالأب لم يفتقد حضن ابنه فحسب، والابن لم يفتقد حضن أبيه فحسب، وإنما فاتتهما حياة كاملة كان يمكن أن تجمعهما. وتصبح النهاية أكثر إيلامًا لأن الندم يأتي بعد فوات الفرصة؛ فحين تظهر الحقيقة يكون الزمن قد مضى، والموت قد أغلق الباب الأخير أمام استعادة ما فات.
وبذلك تمثل قصة «اليتم» ذروة المأساة في المجموعة؛ ففي «الصدع» كان هناك بيت يمكن أن ينهار، وفي «السراب» كانت هناك فرصة يمكن أن تُستعاد، أما هنا فقد يصل الفقد إلى مرحلة لا يمكن معها الإصلاح، لأن الموت يحول الندم إلى حقيقة نهائية.
خلاصة عامة للمجموعة القصصية
تكشف القراءة المتأنية للوحات المجموعة الثلاث أن «الحضن الفائت» ليست مجموعة تتناول الطلاق في صورته الإجرائية أو الاجتماعية فحسب، وإنما تقدم رؤية متدرجة لآثاره الإنسانية والنفسية، وتنتقل من السبب إلى النتيجة، ومن لحظة الشرخ إلى لحظة الفقد النهائي.
ففي لوحة «الصدع» يبدأ الانكسار داخل البيت؛ إذ تتراكم الخلافات والتدخلات وسوء الفهم حتى يتحول الشرخ إلى انفصال. وفي لوحة «السراب» تظهر نتائج القرار بعد وقوعه، فيكتشف بعض الشخصيات أن ما ظنته خلاصًا لم يكن سوى وهم، وأن الأشياء التي كان يمكن إصلاحها في وقتها أصبحت بعد ذلك مصدرًا للندم والحسرة. أما لوحة «اليتم» فتنتقل إلى الأبناء، لتكشف أن الصراع الذي بدأ بين الزوجين لا يبقى حبيس علاقتهما، وإنما يمتد أثره إلى جيل كامل لم يكن طرفًا فيه.
وبهذا يمكن النظر إلى عناوين اللوحات الثلاث بوصفها مراحل دلالية متتابعة:
الصدع → السراب → اليتم
فالصدع هو بداية الانكسار، والسراب هو الوهم الذي قد يغرر بالإنسان حين يظن أن الانفصال سيمنحه حياة أفضل، واليتم هو النتيجة الأشد قسوة حين يصل أثر الانفصال إلى الأبناء، فيُحرمون أحد والديهم أو كليهما عاطفيًا، وقد يتحول الحرمان في بعض الحالات إلى فقد أبدي.
وفي مقابل هذه العناوين جميعًا يقف عنوان المجموعة «الحضن الفائت»، جامعًا بينها ودالًا على ما يجمع شخصياتها من احتياج إلى الاحتواء. فالحضن في المجموعة ليس مجرد فعل جسدي، وإنما هو رمز للأمان والمشاركة والرحمة والحوار والاحتواء. وقد يكون حضن الزوج لزوجته، أو حضن الأب لابنه، أو حضن الأسرة لأفراده.
