الدكتور خالد عمران يكتب: حديث الوطن
نائب رئيس جامعة سوهاج لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة
حين نعطي أكثر مما نملك … نصنع وطنًا أكثر إنسانية "في اليوم العالمي للعمل الخيري والتطوعي"
هناك أشياء كثيرة في الحياة لا تُرى بالعين، ولا تُقاس بالميزان، ولا تسجلها دفاتر الحسابات، لكنها تظل الأثمن والأبقى أثرًا في حياة الإنسان. هناك يد تمتد في اللحظة التي يظن فيها صاحبها أن الجميع قد تخلوا عنه، وكلمة تأتي في موعدها فترد إلى القلب شيئًا من طمأنينته، ووجه يبتسم لإنسان أثقله التعب، ووقت يقتطعه المرء من عمره ليمنحه لمن يحتاج إليه. أشياء تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تكون في حياة إنسان آخر فاصلة بين اليأس والأمل. ومن هنا يبدأ معنى العطاء الحقيقي؛ لا من حجم ما نقدمه، وإنما من صدق الشعور الذي يدفعنا إلى تقديمه، ومن الأثر الذي يتركه في نفوس الآخرين.
وفي اليوم العالمي للعمل الخيري والتطوعي، لا ينبغي أن ننظر إلى المناسبة باعتبارها يومًا عابرًا على صفحات التقويم، ولا أن نكتفي باستعادة الكلمات الجميلة عن الخير والتكافل، وإنما علينا أن نتوقف أمام معنى أكثر عمقًا: ماذا يحدث للمجتمع حين يصبح العطاء جزءًا من ثقافته، والتطوع جزءًا من سلوك أبنائه، والشعور بالآخرين جزءًا من تكوين الإنسان نفسه؟ إن المجتمعات لا تقوى فقط بما تمتلكه من موارد ومؤسسات ومشروعات، وإنما تقوى كذلك بما يسكن نفوس أبنائها من رحمة ومسؤولية وتكافل. وقد يكون أقوى ما يحمي المجتمع في أوقات الشدة ليس ما تخزنه مؤسساته، وإنما ما تختزنه قلوب أبنائه من استعداد لأن يقف بعضهم إلى جوار بعض.
ولعل أجمل ما في العطاء أنه لا يرتبط بالغنى وحده، فالإنسان لا يحتاج إلى أن يملك الكثير حتى يكون قادرًا على أن يمنح. قد يعطي الإنسان من ماله، وقد يعطي غيره من علمه، وثالث من خبرته، ورابع من وقته، وخامس من جهده، وقد لا يملك أحدهم إلا كلمة طيبة يقولها في الوقت الذي يحتاج فيه إنسان آخر إلى من يذكره بأن الحياة ما زالت تحمل له بابًا مفتوحًا. ولهذا فإن العطاء في حقيقته ليس ما يخرج من أيدينا فحسب، وإنما ما يخرج من أعماقنا؛ فربما كان القليل الذي نقدمه بإخلاص أعظم أثرًا من الكثير الذي نقدمه بلا روح، وربما كانت ساعة من وقت إنسان أثمن من مال كثير إذا وضعت في المكان واللحظة المناسبين.
غير أن العطاء الحقيقي لا يقاس فقط بما نعطي، وإنما بكيفية عطائنا. فهناك فرق كبير بين يد تمتد لتعين إنسانًا على الوقوف، ويد تمتد إليه فتذكره طوال الوقت بأنه محتاج. فالاحتياج لا يسلب الإنسان كرامته، والفقر لا ينتقص من قيمته، ومن يحتاج إلى مساعدة اليوم قد يكون غدًا هو القادر على مساعدة غيره. ولذلك فإن أرقى صور العمل الخيري هي تلك التي تحفظ للإنسان كرامته قبل أن تسد حاجته، وتمنحه فرصة للنهوض بدلًا من أن تبقيه أسيرًا للحاجة. ومن هنا يصبح الانتقال من الإعانة إلى التمكين ضرورة أخلاقية ومجتمعية؛ لأن أجمل ما يمكن أن نقدمه لإنسان ليس أن نحمل عنه الطريق دائمًا، وإنما أن نساعده حتى يستطيع أن يمضي فيه بقدميه.
ومن هذا المعنى يولد التطوع بوصفه صورة أعمق من صور العطاء؛ لأن المتطوع لا يمنح شيئًا من ممتلكاته فحسب، وإنما يمنح شيئًا من عمره نفسه. والوقت هو الشيء الوحيد الذي إذا مضى لا يعود، ولذلك فإن من يمنح ساعة من وقته لإنسان أو مجتمع إنما يمنحه جزءًا من حياته. ولهذا فإن التطوع ليس وقتًا فائضًا لدى الإنسان، وإنما هو قرار بأن يكون للوقت معنى يتجاوز صاحبه، وأن تتحول القدرة الشخصية إلى منفعة عامة. وحين ينتقل الإنسان من سؤال «ماذا سأحصل؟» إلى سؤال «ماذا أستطيع أن أقدم؟»، فإنه ينتقل في الحقيقة من دائرة الفرد إلى رحابة المجتمع، ومن مجرد العيش في الوطن إلى المشاركة في بنائه.
ولهذا فإن العمل التطوعي، ولا سيما بين الشباب، ليس نشاطًا هامشيًا يمكن أن نضعه في نهاية قائمة الاهتمامات، وإنما هو مدرسة حقيقية لبناء الشخصية. ففي الميدان يتعلم الشاب ما لا تمنحه الكتب وحدها؛ يتعلم المسؤولية، والعمل الجماعي، والانضباط، واحترام الآخر، وحل المشكلات، وتحمل الاختلاف، وتحويل الأفكار إلى أفعال. والأهم من ذلك كله أنه يكتشف أنه قادر على أن يكون نافعًا، وأن وجوده يمكن أن يصنع فرقًا في حياة إنسان آخر. وحين يشعر الشاب بأن له قيمة حقيقية في مجتمعه، فإنه لا يعود مجرد متلقٍ للخدمات، بل يصبح شريكًا في صناعة الحلول، وهذه واحدة من أهم صور بناء الإنسان القادر على تحمل مسؤولية المستقبل.
ومن هنا أيضًا يصبح التطوع واحدًا من أصدق التعبيرات عن الانتماء. فالانتماء ليس كلمة نقولها في المناسبات، ولا شعارًا نرفعه حين تتطلب اللحظة ذلك، وإنما هو سلوك يومي يظهر في علاقتنا بالناس والمكان والعمل والبيئة والوطن. أن تحافظ على المرفق العام، وأن تتقن عملك، وأن تحترم حق الآخرين، وأن تحافظ على البيئة، وأن تساعد من يحتاج إلى مساعدتك، وأن تترك المكان الذي مررت به أفضل مما كان؛ كلها صور صامتة للانتماء. فحب الوطن الحقيقي لا يُقاس بكثرة ما نقوله عنه، وإنما بمقدار ما نتحمل من مسؤولية تجاهه، وبقدر ما نضيف إلى حياته من خير.
وفي هذا السياق تتضاعف مسؤولية الجامعة؛ لأنها ليست مؤسسة تعليمية تعيش بعيدًا عن مجتمعها، وإنما هي عقل المجتمع وبيت الخبرة فيه، ومكان صناعة الوعي وتكوين الأجيال. فإذا كان العلم يفتح للإنسان أبواب المعرفة، فإن الجامعة مطالبة أيضًا بأن تفتح أمامه أبواب المسؤولية. فالطالب الذي يتعلم داخل قاعة المحاضرات كيف يفكر، ينبغي أن يتعلم خارجها كيف يخدم، والعلم الذي يبقى حبيس الكتب لا يبلغ كامل رسالته ما لم يتحول إلى أثر في حياة الناس. ومن هنا تأتي قيمة المبادرات والقوافل والأنشطة التطوعية التي يشارك فيها شباب الجامعة؛ فهي لا تقدم خدمة للمجتمع فحسب، وإنما تربط الطالب بواقعه، وتجعله يرى احتياجات الناس عن قرب، ويكتشف أن الوطن ليس مفهومًا مجردًا، بل إنسان يعيش أمامه، وقرية تحتاج، وطفل ينتظر، وبيئة تستحق الحماية، وأسرة تحتاج إلى من يقف بجوارها.
ولأننا نعيش زمنًا أصبحت فيه الصورة أحيانًا أسرع من الفعل، فمن المهم أن نتذكر أن الخير لا يحتاج دائمًا إلى كاميرا، وأن العطاء لا تكتمل قيمته بعدد من شاهدوه. هناك أفعال جميلة لا يعرف أصحابها أن أحدًا رآها، وأيدٍ أعطت ثم انسحبت، وأشخاص تركوا أثرًا في حياة غيرهم ثم مضوا دون أن ينتظروا شكرًا. وربما كان هذا النوع من العطاء هو الأصدق؛ لأنه لا يجعل من الإنسان مشروعًا للظهور، وإنما يجعله مشروعًا للأثر. فالخير الذي يطلب التصفيق قد ينتهي بانتهاء التصفيق، أما الخير الذي يطلب الإنسان فيبقى ما بقي أثره في حياته.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد اكتشاف قيمة هذا الأثر. فليس مطلوبًا من كل واحد منا أن يغير العالم كله، وليس مطلوبًا أن يحمل الإنسان فوق طاقته، ولكن المطلوب ألا يستهين بما يستطيع أن يفعله. قد لا تستطيع أن تحل مشكلة كبيرة، لكنك تستطيع أن تخفف ألمًا عن إنسان. قد لا تستطيع أن تبني مؤسسة، لكنك تستطيع أن تزرع شجرة. قد لا تستطيع أن تغير واقعًا كاملًا، لكنك تستطيع أن تغير يومًا في حياة شخص. وقد يبدو الفعل صغيرًا في عين صاحبه، لكنه قد يكون كبيرًا جدًا في عين من وصل إليه. وهكذا تتشكل الأوطان؛ ليس دائمًا بالأفعال الضخمة وحدها، وإنما بتراكم ملايين الأفعال الصغيرة حين تتجه كلها نحو الخير.
ولذلك فإن اليوم العالمي للعمل الخيري والتطوعي ليس مناسبة لنقول إن علينا أن نعطي، ثم نعود في اليوم التالي إلى حياتنا كما كانت، وإنما هو فرصة لنسأل أنفسنا عن طبيعة الحياة التي نريد أن نعيشها، وعن الوطن الذي نريد أن نورثه لأبنائنا. هل نريد مجتمعًا يعرف أفراده بعضهم بعضًا فقط حين يحتاجون إلى بعضهم؟ أم نريد مجتمعًا يشعر فيه الإنسان أن له مكانًا في قلب الآخرين؟ هل نريد أن تبقى ثقافة الخير مرتبطة بالمواسم والمناسبات؟ أم نريد أن يصبح العطاء سلوكًا يوميًا، والتطوع ثقافة، والمسؤولية عادة، والانتماء ممارسة؟
إن الوطن الأكثر قوة ليس بالضرورة هو الوطن الذي لا يواجه الأزمات، وإنما هو الوطن الذي يجد في كل أزمة قلوبًا تتسع، وأيدٍ تمتد، وعقولًا تفكر، وشبابًا يتحركون، ومؤسسات تتكامل، ومواطنين لا ينتظرون دائمًا أن يبدأ الآخرون. فالأزمات تكشف المعادن، والمواقف تكشف حقيقة الانتماء، وفي لحظات الشدة يظهر الفرق بين من يسأل: «من المسؤول؟» ومن يبدأ بسؤال أكثر نبلًا: «ماذا أستطيع أن أفعل؟».
وهنا يصبح العطاء أكثر من قيمة أخلاقية، ويصبح التطوع أكثر من نشاط اجتماعي؛ يصبحان جزءًا من القوة الناعمة للمجتمع، ومن قدرته على حماية تماسكه، ومن قدرته على صناعة مستقبل أكثر عدلًا ورحمة وإنسانية. فكل يد تمتد بالخير تضيف شيئًا إلى رصيد الوطن، وكل شاب يمنح من وقته لخدمة الآخرين يضيف لبنة في بناء المواطنة، وكل إنسان يحفظ كرامة محتاج ويعينه على الوقوف إنما يشارك في بناء مجتمع أكثر توازنًا، وكل مبادرة صادقة تترك أثرًا يتجاوز لحظتها، لأنها تزرع في النفوس فكرة أن الخير ممكن، وأن الإنسان قادر على أن يكون جزءًا من الحل.
وفي النهاية، ربما لا يبقى للإنسان من كل ما جمعه إلا القليل، ولا من كل ما قاله إلا ما صدقه فعله، ولا من كل ما امتلكه إلا ما تركه أثرًا في حياة الآخرين. ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا في هذا اليوم ليس: كم أعطينا؟ وإنما: كم حياةً أصبحت أكثر إشراقًا لأننا مررنا بها؟ وكم إنسانًا استعاد شيئًا من أمله لأننا وقفنا إلى جواره؟ وكم مكانًا أصبح أجمل لأننا اهتممنا به؟ وكم شابًا اكتشف معنى المسؤولية لأنه وجد بابًا مفتوحًا للتطوع والعطاء؟
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه للوطن ليس أن نتحدث طويلًا عن حبه، وإنما أن نجعل هذا الحب فعلًا يراه الناس في أخلاقنا، وفي أعمالنا، وفي تعاملنا مع بعضنا، وفي استعدادنا لأن نعطي حين نستطيع. فالوطن لا يحتاج منا دائمًا إلى الكثير؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى أن نعطي شيئًا من وقتنا، أو علمنا، أو جهدنا، أو اهتمامنا، وأن نفعل ذلك دون أن ننتظر مقابلًا.
فحين نعطي أكثر مما نملك، لا نصبح أفقر… بل نصبح أكثر إنسانية. وحين تتسع دائرة العطاء من فرد إلى أسرة، ومن أسرة إلى مجتمع، ومن مجتمع إلى وطن، يصبح الخير قوة، ويصبح التطوع ثقافة، ويصبح الانتماء فعلًا، ويصبح الوطن أكثر دفئًا وتماسكًا وقدرة على مواجهة المستقبل.
وفي اليوم العالمي للعمل الخيري والتطوعي، لنجعل رسالتنا أبسط من كل الشعارات وأعمق منها: أن نترك وراءنا أثرًا طيبًا يستحق أن يبقى. فالأوطان لا تبنى فقط بما نشيده لها، وإنما بما نزرعه في قلوب أبنائها من رحمة ومسؤولية وعطاء. وربما كان أجمل ما يمكن أن نورثه للأجيال القادمة ليس وطنًا أكثر عمرانًا فحسب، وإنما وطنًا أكثر إنسانية؛ وطنًا يعرف فيه القوي أن قوته مسؤولية، ويعرف فيه القادر أن قدرته أمانة، ويعرف فيه كل إنسان أن في مقدوره، مهما كان عطاؤه صغيرًا، أن يضيء مساحة في حياة إنسان آخر.
ذلك هو الوطن الذي يستحق أن نحلم به… وأن نعمل من أجله.
