recent
عـــــــاجــــل

العود.. أوتار تحفظ ذاكرة الشرق وتحكي رحلة الموسيقى العربية عبر التاريخ

 

العود.. أوتار تحفظ ذاكرة الشرق وتحكي رحلة الموسيقى العربية عبر التاريخ


العود.. أوتار تحفظ ذاكرة الشرق وتحكي رحلة الموسيقى العربية عبر التاريخ


كتبت- أريج مدحت إسماعيل


ليس العود مجرد آلة تعزف الألحان، وإنما واحد من أكثر الأصوات التصاقًا بالذاكرة الموسيقية للشرق. يحمل في نبراته ملامح تاريخ طويل تعاقبت خلاله الحضارات، وتطورت فيه صناعة الآلات وأساليب العزف، وظل العود محتفظًا بخصوصيته رغم التحولات التي عرفتها الموسيقى عبر قرون متتالية.


يرتبط تاريخ العود بتاريخ قديم للآلات الوترية في الشرق، فقد عرفت الحضارات القديمة نماذج متعددة من الآلات التي تعتمد على الأوتار وصناديق الصوت لتضخيم النغم. وليس من الدقة القول إن كل آلة وترية ظهرت في النقوش والرسوم القديمة كانت عودًا بالمعنى المعروف اليوم، إلا أن هذه النماذج تمثل حلقات مهمة في المسار الطويل الذي تطورت خلاله صناعة الآلات الوترية.


ومع الزمن أخذت ملامح العود تقترب من صورته المعروفة، بصندوق صوتي كبير مقوس، ورقبة قصيرة، وأوتار تمتد فوق وجه خشبي مزود بفتحات تساعد على خروج الصوت وتعزيز رنينه. ولم يكن شكله ثابتًا عبر التاريخ، بل خضع لتغيرات متواصلة ارتبطت بتطور الصناعة والموسيقى وطرق العزف.


وفي الحضارة العربية والإسلامية اكتسب العود حضورًا بارزًا، وأصبح من الآلات الأساسية في الحياة الموسيقية. ولم يقتصر الاهتمام به على العزف، بل ارتبط أيضًا بالدراسات الموسيقية المتعلقة بالصوت والمقامات والإيقاع وطرق ضبط الآلات. ومع تطور المعرفة الموسيقية تغيرت خصائص العود في بعض مراحله، سواء في عدد الأوتار أو طريقة ضبطها أو أبعاد صندوقه الصوتي.


وامتدت رحلة العود مع حركة الثقافة والموسيقى بين مناطق العالم الإسلامي، ووصل تأثير الموسيقى الشرقية إلى الأندلس، التي أصبحت واحدة من أهم محطات التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب. ومع انتقال التقاليد الموسيقية والآلات بين البيئات المختلفة، ظهرت تأثيرات امتدت لاحقًا إلى أوروبا، لتدخل الآلات الوترية في مسارات جديدة من التطور.


ومن بين الآلات الأوروبية التي ارتبط تاريخها بعائلة العود آلة اللوت، التي تطورت عبر قرون واختلفت عن العود في التصميم وعدد الأوتار وطريقة العزف. ورغم هذه الاختلافات، تكشف العلاقة بين هذه الآلات جانبًا من حركة الأفكار الموسيقية وانتقالها بين الحضارات.


أما العود الحديث فيتكون من مجموعة أجزاء تتكامل لصناعة صوته المميز. ويأتي في مقدمته صندوق الصوت، وهو الجزء الأكبر والأكثر وضوحًا في شكله، ويغطى بوجه خشبي رقيق تتوسطه فتحات صوتية، بينما تمتد الأوتار فوق الوجه إلى الرقبة القصيرة ثم إلى الجزء المخصص لتثبيتها وضبطها.


وتؤثر جودة الأخشاب المستخدمة وطريقة تصنيع الصندوق وسمك الوجه ودقة تنفيذ التفاصيل المختلفة في طبيعة الصوت الذي تنتجه الآلة. ولهذا يولي صناع العود اهتمامًا بالغًا بكل جزء من أجزائه، إذ يمكن لتفاصيل صغيرة في الصناعة أن تحدث اختلافًا واضحًا في النبرة والرنين.


ويتميز العود بصوت دافئ وعميق، كما يمنح العازف مرونة واسعة في التعامل مع النغمات والمسافات الموسيقية. وغياب الدساتين الثابتة على رقبته، كما هو الحال في عدد من الآلات الوترية الأخرى، يتيح للعازف قدرًا أكبر من التحكم في النغم وإجراء الانتقالات الدقيقة بين الدرجات الصوتية، وهو ما جعله ملائمًا للموسيقى القائمة على المقامات والارتجال.


ولم يبق العود على حاله عبر العصور، فقد تغيرت أبعاده وشكل صندوقه وعدد أوتاره وأساليب ضبطه، كما اختلفت تقنيات صناعته من منطقة إلى أخرى. ومع العصر الحديث أصبحت صناعة العود أكثر تخصصًا، وظهرت مدارس متعددة في بنائه، واختلفت خصائصه بين البلدان العربية وتركيا وغيرها من المناطق التي احتفظت بتقاليدها الخاصة في صناعة هذه الآلة.


وساعد تطور صناعة الأخشاب والأدوات الموسيقية على رفع دقة التصنيع وتحسين جودة الصوت، دون أن يفقد العود ملامحه الأساسية التي جعلته واحدًا من أبرز رموز الموسيقى الشرقية.


ومع ظهور التسجيلات الصوتية ثم الإذاعة والسينما والتلفزيون، حافظ العود على مكانته في الموسيقى العربية، وانتقل من المجالس التقليدية إلى المسارح والاستوديوهات والمعاهد الموسيقية. واستخدم في العزف المنفرد، ومصاحبة المطربين، والفرق الموسيقية، كما وجد لنفسه مساحة في التوزيعات الحديثة التي جمعت بين الآلات الشرقية والغربية.


وتكمن خصوصية العود في قدرته على مواكبة التجديد دون أن يفقد هويته. فقد تغيرت تفاصيله وأشكاله ومدارس صناعته، لكن جوهره ظل كما هو؛ أوتار تهتز فوق صندوق خشبي لتمنح المستمع صوتًا غنيًا قادرًا على التعبير عن مساحات واسعة من المشاعر والمقامات.


لهذا بقي العود حاضرًا في المشهد الموسيقي رغم التحولات الكبرى التي شهدتها صناعة الفن. انتقل من مجالس الطرب القديمة إلى المسارح الحديثة والاستوديوهات، وظل قادرًا على الدخول في تجارب موسيقية جديدة دون أن ينقطع عن جذوره.


إن تاريخ العود في النهاية يتجاوز قصة آلة موسيقية. إنه جزء من تاريخ الموسيقى العربية، وشاهد على حركة الأفكار والفنون بين الحضارات، من الآلات الوترية القديمة إلى العود الذي عرفته الحضارة العربية والإسلامية، ثم انتقال تأثيراته إلى الأندلس وأوروبا، وصولًا إلى صورته الحديثة.


ولهذا لا يزال صوت العود يحمل خصوصية يصعب فصلها عن الذاكرة العربية؛ نغمة واحدة منه قادرة على استدعاء زمن بعيد، وفي الوقت نفسه يظل صوته مفتوحًا على تجارب موسيقية جديدة، وكأن أوتاره تحفظ الماضي من دون أن تغلق الطريق أمام المستقبل.


google-playkhamsatmostaqltradent