أكتوبر.. نصر في الذاكرة وأخلاق يجب أن تعود
بقلم: فتحية حماد
لم يتردد عبد الرحمن لحظة عندما رأى يوسف يسقط مغشيا عليه في الطريق. لم يسأل عن اسمه أو دينه، ولم يتوقف أمام الصليب الذي كان يحمله وإنما رأى إنسانا يحتاج إلى النجدة، فسارع إلى نقله لأقرب مستشفى وظل إلى جواره حتى وصل والده.
لم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد كانت والدة عبد الرحمن معه في المستشفى، تصلي العصر وتدعو ليوسف بالشفاء.
مشهد بسيط في تفاصيله، لكنه عظيم في معناه، لأنه يختصر الكثير مما نحتاج إلى تذكره عن أخلاق المصريين.
يوسف هو نجل زميلنا الصحفي عزت البنا، الذي كان يتحدث معه هاتفيا عندما شعر بالإعياء وسقط على الأرض، بينما كان والده بعيدا عنه ولا يستطيع الوصول إليه في الوقت المناسب. وهنا ظهر معدن المصري الأصيل، عبد الرحمن لم ير أمامه مسلما أو مسيحيا، وإنما رأى أخا في حاجة إلى المساعدة. هذه هي مصر التي نعرفها، وهذه هي روح أكتوبر الحقيقية.
منذ 53 عاما، كان المصريون على قلب رجل واحد. في أكتوبر 1973 ، كان الجميع يعرف أن هناك عدوا واحدا، وأن الوطن أكبر من أي خلاف، الجندي كان يحارب على الجبهة، والشعب كله يقف خلفه، النساء والشباب والشيوخ والأطفال، مسلمون ومسيحيون، يجمعهم هدف واحد هو استعادة الأرض والكرامة.
وربما لم نعاصر تلك الأيام، لكننا عرفناها من روايات الأبطال، وشهادات المحاربين، وأعمال الأدباء والدراما التي نقلت إلينا صورة ذلك الجيل الذي صنع ملحمة ستظل في ذاكرة التاريخ. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، أين ذهبت هذه الروح؟
لماذا أصبحنا نشاهد أحيانا مجتمعا يحارب بعضه بعضا؟ لماذا انتشرت الأنانية والعنف والجريمة، وتراجعت قيم الشهامة والتكافل والرحمة؟ ولماذا أصبحت بعض الأعمال الدرامية تقدم البلطجة والعنف والانحراف بصورة قد تجعلها تبدو سلوكا عاديا؟ هل هذه هي أخلاق المصريين؟ هل هذه هي الروح التي تربت على قصص الشهداء والمقاتلين؟ بالتأكيد لا.
فالموقف الذي جمع يوسف وعبد الرحمن يؤكد أن الخير ما زال موجودا، وأن روح المصريين الحقيقية لم تختف، وإنما تحتاج فقط إلى أن تجد من يوقظها ويمنحها المساحة التي تستحقها.
نحن لا نحتاج اليوم إلى حرب جديدة حتى نستعيد روح أكتوبر، وإنما نحتاج إلى أن نستعيد قيم أكتوبر، الوحدة، الشهامة، التضامن، الرحمة، والإحساس بالآخر. نحتاج أن نمد أيدينا لبعضنا في وقت الشدة، وأن نرى الإنسان قبل أي اختلاف، وأن ندرك أن قوة المجتمع لا تقاس فقط بما يملكه من إمكانات، وإنما بقدرته على الوقوف إلى جوار أفراده.
لقد انتصر المصريون في أكتوبر عندما توحدوا. واليوم يحتاج المجتمع إلى انتصار من نوع آخر، انتصار على الأنانية والكراهية والعنف، وانتصار للقيم التي صنعت أجيالا عرفت معنى الوطن.
في الختام ، روح أكتوبر ليست ذكرى نحتفل بها كل عام، إنها أخلاق يجب أن تعود إلى الشارع والبيت والمدرسة والعمل. وحين تعود هذه الروح، تعود معها مصر التي نحبها ونفخر بها.
