على هذه الأرض مرّ رجال
بقلم: حسن سليم
رئيس التحرير
كان المساء يهبط على البيوت المصرية بطيئًا في ذلك اليوم، لكن شيئًا في الهواء كان قد تبدل. الأمهات يتابعن أجهزة الراديو، والآباء يقتربون من الأخبار كلما جاء صوت المذيع، والأطفال يلتقطون من وجوه الكبار ما لا يفهمونه بالكلمات. وفي مكان بعيد، خلف مياه القناة، كان رجال بملابس الميدان يكتبون فصلًا جديدًا من عمر وطن كامل.
كان السادس من أكتوبر موعدًا مع قدر انتظرته مصر طويلًا.
على ضفة القناة وقف جنود يحملون السلاح وقلوبهم تحمل أثقالًا أكبر. كل واحد منهم ترك وراءه بيتًا يعرفه، ووجهًا يحبه، وأمًا ربما أخفت دمعتها كي لا تضعف عزيمته، وطفلًا ينتظر عودته ولا يعرف لماذا يبدو هذا الوداع مختلفًا عن كل وداع سابق.
ثم جاءت الساعة.
تحركت القوارب فوق مياه القناة، واندفع الرجال نحو الضفة الأخرى. في تلك اللحظات لم تكن هناك مساحة للخوف. أمامهم ساتر ترابي شاهق، ومواقع محصنة، ونيران تنتظرهم، وخلفهم وطن كامل يترقب النتيجة. كانت الخطوة الأولى فوق أرض سيناء تحمل وزن سنوات طويلة من الانتظار.
وعندما ارتفعت أصوات الجنود بالتكبير، بدا المشهد كأنه خارج من قلب مصر نفسها. «الله أكبر» خرجت من الحناجر قوية، صادقة، بلا ترتيب ولا افتعال. كان الرجال يقولونها وهم يقتربون من مواقع العدو، بينما كانت مصر كلها، في البيوت والشوارع والقرى والمدن، تشعر بأن شيئًا عظيمًا يحدث هناك.
كانت الرمال تتحرك تحت أقدام المقاتلين، والمياه تنفتح أمام القوارب، والسواتر التي قيل إنها عصية على الاقتحام بدأت تفقد هيبتها أمام تصميم الجنود.
الجندي المصري في أكتوبر لم يحمل بندقيته وحدها. حمل معه ذاكرة وطن جُرح، وكرامة شعب انتظر طويلًا، وصورة النيل، ووجه أمه، وبيته الصغير، وسماء بلاده. لذلك كان يقاتل بقوة رجل يعرف أن وراءه ملايين القلوب.
ولكل بطل من أبطال أكتوبر حكاية لا يعرفها أحد كاملة.
هناك جندي خرج من بيته صباحًا ولم يعرف إن كان سيعود إليه. وهناك أم ظلت تنتظر ابنها حتى عاد، أو انتظرت اسمه في قائمة الشهداء. وهناك أب احتفظ بآخر رسالة كتبها ابنه، وزوجة ظلت سنوات تحمل صورة رجل خرج إلى الحرب فعاد إليها الوطن قبل أن يعود هو.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل النصر قريبًا من القلب.
فالانتصارات الكبرى تُرى في الخرائط، لكن ثمنها الحقيقي يُعرف في البيوت.
خلف المعركة كانت سنوات من العمل الشاق. القوات المسلحة أعادت ترتيب صفوفها، والجنود تدربوا، والطيارون حلقوا في تدريبات متواصلة، والمهندسون درسوا الساتر الترابي، ورجال المدفعية عرفوا مواقعهم، وقوات الصاعقة والمظلات استعدت لمهامها. حرب الاستنزاف كانت مدرسة قاسية، تعلم فيها المقاتل المصري كيف يواجه خصمًا متفوقًا في السلاح والإمكانات، وكيف يحول الخبرة إلى قدرة حقيقية في الميدان.
لم يصنع أكتوبر ضربة حظ.
صنعه عرق رجال لم تظهر أسماؤهم في الصحف، وسهر ضباط وجنود، وخطط دقيقة، وتدريب طويل، وإيمان بأن الجيش الذي عانى من جرح يونيو يستطيع أن يداوي الجرح بيده.
ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها مصر.
انطلقت الطائرات، وبدأت المدفعية، وعبرت القوات، وفتحت الثغرات في الساتر، وارتفعت الجسور فوق القناة، وتحركت الوحدات في توقيت محسوب. كان كل رجل يعرف مهمته، وكل دقيقة لها قيمتها، وكل خطوة تقرب العلم المصري من الضفة الشرقية.
وعندما ارتفع العلم فوق أرض سيناء، تغيرت ملامح مصر.
خرج الناس إلى الشوارع. تعانقت الأيدي، وارتفعت الزغاريد، وامتلأت العيون بالدموع. لم تكن دموع حزن هذه المرة، كانت دموع شعب شعر أن صدره اتسع فجأة بعد سنوات ثقيلة.
كان النصر استردادًا للثقة.
استردت مصر ثقتها في جيشها، واسترد الجندي ثقته في قدرته، واسترد المواطن إحساسه بأن الوطن الذي ينتمي إليه قادر على حماية أرضه وصون كرامته.
والأجمل أن أكتوبر لم يعلّم المصريين عشق الحرب، بل علّمهم قيمة السلام الذي يحميه الاقتدار. فالأرض التي دافع عنها الجنود بدمائهم تستحق أن تعيش آمنة، والدماء التي سالت فوق رمالها تستحق أن يكون ثمنها حياة أفضل لأجيال لم تر المعركة بأعينها.
ولهذا فإن أبناء أكتوبر لا يحتاجون إلى مبالغة كي يحكوا بطولاتهم. تكفيهم صورة جندي يخرج من القارب، ويده تمسك بسلاحه، ووجهه يحمل إرهاق المعركة وإصرارها. تكفي صورة العلم وهو يرفرف فوق موقع كان بالأمس يحمل راية أخرى. تكفي أسماء الشهداء التي حفظتها الأسر المصرية قبل أن تحفظها كتب التاريخ.
كلما جاء أكتوبر، عاد أولئك الرجال إلى الذاكرة.
عادوا بملابسهم العسكرية، بوجوههم الشابة، برسائلهم القصيرة، بصورهم القديمة، بأصوات أمهاتهم، وبالأحلام التي تركوها عند أبواب البيوت ومضوا.
بعضهم عاد حيًا يحمل ذكريات لا يستطيع الزمن محوها.
وبعضهم عاد في نعش ملفوف بالعلم.
وبعضهم بقي هناك، في أرض سيناء، جزءًا من ترابها وحكايتها.
هؤلاء لا يحتاجون إلى تماثيل كثيرة كي نتذكرهم. يكفي أن نعرف أن كل شبر من الأرض التي نمشي عليها اليوم حمل ذات يوم قدم جندي مصري وقف هناك وقال لنفسه إن مصر تستحق أن ينتصر من أجلها.
ربما لهذا السبب يختلف أكتوبر عن أي ذكرى أخرى.
لأنك عندما تقترب من حكايته لا تجد معركة فقط، بل تجد أمة كاملة وهي تستعيد قلبها.
تجد أمًا تدعو.
وجنديًا يتقدم.
وشهيدًا يبتسم لوطنه للمرة الأخيرة.
وعلمًا يصعد.
ومصر، بكل تاريخها، تقف خلف أبنائها.
ومن بين دخان المعركة خرج وجه مصر أكثر صلابة، وأكثر اعتزازًا بنفسها. خرجت الحكاية من القناة إلى البيوت، ومن البيوت إلى الأجيال، حتى صار السادس من أكتوبر موعدًا سنويًا مع الذاكرة.
نقرأ أسماء الأبطال، فنشعر أن بيننا وبينهم عهدًا لا يسقط بالتقادم.
نعرف أن الأرض التي عبروا إليها لم تكن خريطة صامتة، بل كانت وطنًا له رائحة وذكريات وبيوت وأشجار وسماء.
ونعرف أن الشهيد الذي نام تحت رمالها لم يترك لنا مجرد نصر عسكري، بل ترك لنا شيئًا أثمن: درسًا في معنى الانتماء.
أن تحب مصر في أيامها السهلة أمر يسير.
أما أن تقف إلى جوارها وهي تنزف، ثم تمنحها عمرك، فذلك هو المجد الذي لا يحتاج إلى شهادة.
وهكذا بقي أكتوبر حيًا.
بقي في صوت أم تروي قصة ابنها.
وفي عين مقاتل يتذكر رفاقه.
وفي طفل يرفع العلم في طابور الصباح.
وفي قلب مصري كلما سمع «الله أكبر» في ذكرى العبور، شعر بأن هناك لحظة في تاريخ هذا الوطن لم تنته بعد.
لحظة عبر فيها رجال القناة، وتركوا على الضفة الأخرى خوفًا قديمًا، ورفعوا فوق سيناء علمًا كتب تحته التاريخ كلمة واحدة لا تمحى: مصر.
