recent
عـــــــاجــــل

د. السيد الشربيني يكتب: حكمة الرئيس السيسي هي الأمل لإنصاف الجامعات

 

د. السيد الشربيني يكتب: حكمة الرئيس السيسي هي الأمل لإنصاف الجامعات

د. السيد الشربيني يكتب: حكمة الرئيس السيسي هي الأمل لإنصاف الجامعات



في وقت يمر فيه العالم بمنعطفات تاريخية متسارعة، وتتصاعد فيه الصراعات الدولية التي تعيد تشكيل الخريطة العالمية وتستهدف ثوابت الأوطان، تواجه الدولة المصرية تحديات غير مسبوقة، تتجه سهامها نحو وعي شبابها وهويتهم، في واحدة من أخطر المراحل العمرية التي تتشكل خلالها شخصية الإنسان وملامح انتمائه الوطني. وفي قلب هذه المواجهة، تقف الجامعات المصرية في خط الدفاع الأول عن عقل الأمة، باعتبارها حائط صد أساسيًا وركيزة لا تقبل الاهتزاز للأمن القومي، فهي القوة الوطنية المنوط بها تحصين العقول ضد السموم الفكرية ومواجهة حروب الجيلين الرابع والخامس.


ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن أوضاع الجامعات وأعضاء هيئة التدريس لا ينبغي أن ينفصل عن طبيعة الدور الاستراتيجي الذي تؤديه هذه المؤسسات في حماية الدولة وبناء مستقبلها. فالعالم الذي تتصارع فيه القوى على امتلاك المعرفة والتأثير في العقول لا يمكن أن يترك علماءه وأساتذته في مواجهة أزمات معيشية متفاقمة، ثم ينتظر منهم أن يواصلوا أداء رسالتهم بالكفاءة نفسها، وأن يتحملوا وحدهم مسؤولية إعداد الأجيال وحماية وعيها.


وأمام هذا الدور الاستراتيجي الرفيع، تظل حكمة الرئيس عبد الفتاح السيسي وإيمانه العميق بمكانة العلماء هي الأمل في إنصاف المنظومة الأكاديمية ومواجهة آثار حزمة الحوافز الحكومية الأخيرة التي جاءت صادمة ودون مستوى التطلعات. فقد بدت القرارات الأخيرة مجحفة، ولا تتسق بحال من الأحوال مع التوجيهات الرئاسية المتكررة التي نادت دائمًا برعاية علماء مصر وتحسين أوضاعهم المعيشية، انطلاقًا من الإيمان بأن قوة مصر تكمن في علمائها.


إن التناقض بين ما نأمله للمنظومة الجامعية وما نعيشه على أرض الواقع يضعنا أمام مشهد أكاديمي مثقل بالهموم، في ظل مناخ يراه كثيرون مغايرًا للالتزامات الدستورية التي كفلت صون مكانة أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم، ورعاية متطلبات حياتهم الكريمة بما يتناسب مع سمو رسالتهم. ولم يعد الأمر مجرد مطالب مالية عابرة، بل أصبح ضغطًا معنويًا ونفسيًا عميقًا يمس كرامة الأستاذ الجامعي في الصميم، خاصة عندما تبدو الآليات التشريعية والتنفيذية بعيدة عن مسارها المفترض في ترجمة النصوص الدستورية إلى واقع ملموس.


وحين يُترك الأكاديميون وحدهم في مواجهة فجوة اقتصادية ساحقة تفصلهم عن العاملين في مهن وقطاعات أخرى، يصبح من حق المجتمع الجامعي أن يتساءل بموضوعية عن جدوى المعالجات الحالية، ومدى قدرة المؤسسات القائمة على القيام بواجبها الاستراتيجي في حماية أركان الأمن القومي المعرفي. فالأستاذ الجامعي ليس مجرد موظف يؤدي عملًا محددًا، وإنما هو صاحب رسالة تتصل بتكوين الإنسان وبناء وعيه وإعداد الكوادر التي تحتاج إليها الدولة في مختلف مواقع العمل والإنتاج.


وما يضاعف من مرارة هذا التساؤل أن حزمة الحوافز والمزايا المالية الأخيرة الصادرة عن مجلس الوزراء أحدثت صدمة ودهشة شديدتين داخل المجتمع الأكاديمي، إذ بدت وكأنها تختزل الجامعة في مجرد منشآت تعليمية، متناسية أنها المصنع الأكبر لإنتاج العقول وبناء القيادات الوطنية. والمفارقة أن رواتب العلماء ما زالت أسيرة أزمة مستمرة ومستعصية، رغم أنهم ليسوا مسؤولين بأي حال عن عجز الموازنة العامة، في الوقت الذي تشهد فيه قطاعات أخرى مزايا تفوق ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي بأكثر من مائة ضعف.


وهنا يجب أن نضع أيدينا على جانب مهم من الأزمة، وهو أن العبء الحقيقي يقع بكامل ثقله على كاهل الأغلبية العظمى من الأساتذة الذين يعتمدون كليًا على رواتبهم الحكومية، ولا يمتلكون مصادر دخل إضافية تساعدهم على مواجهة متطلبات الحياة. وفي المقابل، فإن ضعف هذه الدخول لا يمثل الهم نفسه بالنسبة إلى قلة من أصحاب العلاقات والنفوذ ممن فُتحت أمامهم أبواب العمل بالجامعات الأهلية والخاصة، أو أولئك الذين يدرّسون في كليات ذات كثافة طلابية ضخمة تدر عوائد طائلة من منظومة الكتاب الجامعي.


وهذا التفاوت يضرب العدالة التوزيعية في مقتل داخل المحراب الجامعي الواحد، لأننا أمام أعضاء هيئة تدريس ينتمون إلى المؤسسة الأكاديمية نفسها، ويحملون مسؤوليات علمية وتعليمية متقاربة، لكن ظروفهم المادية تختلف بصورة واسعة تبعًا للفرص المتاحة لكل منهم. ومن ثم، فإن أي معالجة جادة للأزمة يجب ألا تغفل هذه الفجوة، أو تقتصر على فئات بعينها، وإنما ينبغي أن تنظر إلى أوضاع الأغلبية التي لا تمتلك سوى راتبها الحكومي.


ولم تعد هذه الأزمة مجرد حديث يدور داخل الجامعات، بل امتدت أصداؤها إلى قبة البرلمان وساحات الإعلام، وهو ما يعكس حجم القلق الذي أصبح يحيط بمستقبل أعضاء هيئة التدريس ومكانتهم. فقد أبدى الإعلامي مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، صدمة واضحة تجاه القرارات الأخيرة، واعتبرها دون المأمول بالنسبة إلى علماء مصر، متوجهًا باستغاثة عاجلة إلى القيادة السياسية من أجل رد اعتبار الأستاذ الجامعي وإنصافه.


كما جاء عتاب الأستاذ الدكتور رضا عبد السلام، محافظ الشرقية الأسبق وعضو مجلس النواب، للحكومة، ليضع جانبًا آخر من جوانب الأزمة أمام الرأي العام، حين استنكر غياب العدالة بين المعيد الذي يتقاضى حافز جودة هزيلًا لا تتجاوز قيمته 500 جنيه، وزملائه في الهيئات القضائية الأخرى، محذرًا من خطر هجرة الكفاءات الشابة من محراب الجامعة.


وهذا التحذير لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تخوف عابر، لأن فقدان الكفاءات الشابة يمثل تهديدًا حقيقيًا لاستمرار الجامعة في أداء رسالتها، فالمعيدون والمدرسون المساعدون هم النواة التي تقوم عليها الأجيال الأكاديمية المقبلة، وهم الذين يفترض أن تتوافر لهم الظروف المناسبة لاستكمال مسيرتهم العلمية والبحثية داخل الجامعات المصرية، بدلًا من أن يجدوا أنفسهم أمام فجوة مادية تدفعهم إلى التفكير في البحث عن فرص أخرى أكثر استقرارًا.


وفي السياق نفسه، جاءت تحذيرات الكاتب الصحفي وجيه الصقار، نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، من تدني الدخول، وما قد يترتب عليه من اضطرار الجامعات إلى التحول نحو أهداف تمويلية ذاتية على حساب رسالتها الأسمى، فضلًا عن تشتيت الأساتذة بين متطلبات العمل الأكاديمي ومحاولات توفير احتياجاتهم المعيشية.


وأرى أن هذه النقطة تستحق اهتمامًا كبيرًا، لأن الجامعة لا ينبغي أن تتحول إلى مؤسسة تنشغل بتدبير مواردها على حساب رسالتها العلمية، ولا أن يصبح الأستاذ الجامعي مضطرًا إلى توزيع جهده بين التدريس والبحث العلمي من ناحية، والبحث عن مصادر دخل إضافية من ناحية أخرى. فالتفرغ العلمي ليس رفاهية، وإنما شرط أساسي لنجاح العملية التعليمية والبحثية، وأي ظروف تدفع الأستاذ بعيدًا عن رسالته الأصلية تنعكس بالضرورة على مستوى الأداء الأكاديمي وجودة المخرجات التعليمية.


كما أتبنى رؤية الكاتب الصحفي الأستاذ محمد الصايم، نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية، بشأن ضرورة إعادة النظر في توقيت القرار، حيث كان من الأولى تأجيله لحين الانتهاء من الدراسة الشاملة التي تعمل عليها وزارة التعليم العالي بالتعاون مع وزارة المالية، والمعنية بوضع خطة متكاملة على مدار السنوات الثلاث المقبلة.


وكان من الضروري أن تُعلن هذه الخطة خلال أسبوع، بما يسهم في تهدئة أعضاء هيئة التدريس وإنهاء حالة التوتر الحالية، ويمنح المجتمع الأكاديمي تصورًا واضحًا لما ينتظره خلال المرحلة المقبلة. فوجود خطة معلنة ومحددة، تتضمن رؤية متكاملة لتحسين الأوضاع المالية، أفضل من ترك أعضاء هيئة التدريس أمام قرارات لا تحقق تطلعاتهم، أو وعود لا يعرفون موعد تنفيذها وآليات تطبيقها.


إن القضية التي نطرحها اليوم لا تتعلق بالسعي إلى امتيازات فئوية أو مكاسب مالية عابرة، وإنما هي مطالبة مشروعة بإنصاف أصحاب رسالة علمية ووطنية، ووضع قيمة العلم فوق الحسابات الرقمية والحلول المؤقتة. فأعضاء هيئة التدريس ومعاونوهم لا يطلبون سوى أن تتناسب أوضاعهم مع طبيعة مسؤولياتهم، وأن يجدوا من التقدير المادي والمعنوي ما يمكنهم من مواصلة رسالتهم في ظروف تحفظ كرامتهم وتدعم استقرارهم.


وتظل آمال المجتمع الأكاديمي معلقة على حكمة رئيس الجمهورية، الرئيس عبد الفتاح السيسي، من أجل إعادة التوازن المادي والمعنوي لأساتذة الجامعات، ومواجهة آثار الحوافز التي أثارت هذه الحالة من الاستياء والدهشة. فالتاريخ والواقع يبرهنان على أن استقرار الأكاديميين ليس رفاهية، ولا يمكن النظر إليه باعتباره مطلبًا محدودًا بفئة مهنية، بل هو صمام أمان للأمن المعرفي، وأحد الشروط الأساسية للحفاظ على قوة الجامعات المصرية وقدرتها على أداء دورها الوطني.


إن عزة الدولة المصرية وترسيخ أمنها القومي يظلان دائمًا وأبدًا مرتبطين بقوة مناراتها التعليمية واستقرار علمائها، فالجامعة التي تصنع العقول وتحمي الوعي وتعد القيادات تحتاج إلى أستاذ جامعي يشعر بقيمته ومكانته، ويجد من الظروف ما يساعده على أداء رسالته دون أن تستنزفه الأعباء المعيشية أو تضعف عزيمته التحديات الاقتصادية.


ولهذا، فإن إنصاف العلماء هو إنصاف للجامعة ورسالتها، وحماية لمستقبل الأجيال، ودعم مباشر لقوة الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات. وسيظل هذا المحراب المقدس حصنًا منيعًا للأمة، وستظل قوة مصر الحقيقية في علمائها، الذين يمثلون رصيدها الأهم في معركة الوعي والمعرفة وبناء المستقبل.

google-playkhamsatmostaqltradent