كيف نستفيد من كوفيد-19 في تعزيز الاستدامة؟
رغم عدم وجود إجماع حول كيفية ظهور جائحة "كوفيد-19"، ثمة دراسات عديدة تنبأت بظهوره، من بينها الدراسة التي أجراها (Vincent C. Chengl) وآخرون عام 2007، والتي أعطت إنذارًا مبكرًا بظهور الفيروس موضحة أن فيروسات كورونا تخضع لإعادة التركيب الجيني؛ مما قد يؤدي إلى ظهور أنماط وراثية جديدة وتفشي الأمراض.
أشارت الدراسة إلى أن وجود مخزون كبير من الفيروسات الشبيهة بالسارس في الخفافيش، إلى جانب ثقافة أكل الثدييات الغريبة في جنوب الصين، بمثابة قنبلة موقوتة، كما توقعت إمكانية ظهور السارس والفيروسات الجديدة الأخرى من الحيوانات أو المختبرات، وشددت على ضرورة التأهب لهذه الفيروسات المحتملة.
في السياق ذاته، حذرت منظمة الصحة العالمية، في أعقاب وباء إنفلونزا الخنازير (H1N1) الذي ظهر عام 2009، من أن العالم سيكون "غير مستعد" للاستجابة لوباء شديد يُهدد الصحة العامة، وهو ما قد ثبتت صحته بالفعل مع ظهور جائحة "كوفيد-19".
في هذا الصدد، أوضح المقال أن الطريقة التي تظهر بها الإنذارات المبكرة للمخاطر البيئية والبشرية، وكيفية التعامل معها، تزودنا بالعديد من الدروس "المتأخرة"، والتي يمكن أن تساعد في تمهيد الطريق نحو مجتمعات أكثر مرونة واستعدادًا.
كذلك تُسلط هذه الدروس المتأخرة الضوء على الحاجة إلى اتباع إجراءات احترازية لتحقيق التوازن بين الفرص الاقتصادية المرغوب فيها والأضرار البيئية غير المؤكدة، كما يبدو أن الدروس المحتملة لجائحة "كوفيد-19" أعمق من ذلك؛ حيث تُعدُّ تذكيرًا صارخًا بأن هويتنا متشابكة بشكل كبير مع هوية النظم البيئية للأرض.
عالم ما بعد الجائحة: الاستعداد للقادم ضرورة مُلحة
أشار المقال إلى أن عمليات الإغلاق الوطنية غير المسبوقة والقيود المفروضة على السفر وإغلاق الحدود الوطنية في النصف الأول من عام 2020، أدت إلى تحسينات قصيرة الأجل في البيئة، كما كان للجائحة أيضًا تأثير فوري في تشجيع الأفراد على اختيار طرق سفر أكثر أمنًا، وفي مقدمتها ركوب الدراجات، وذلك من خلال تحسين البنية التحتية لركوب الدراجات على سبيل المثال.
في السياق ذاته، فإن انخفاض النشاط البشري، أعطى فرصة للبيئات الطبيعية للتعافي وفرصة لأنواع كثيرة من الأحياء لإيجاد مساحات ومنافذ جديدة، ولكن في مقابل هذا، زادت الحاجة إلى استخدام معدات الحماية وغيرها من المعدات التي تستخدم لمرة واحدة؛ مما أدى إلى زيادة إنتاج واستهلاك البلاستيك، وبالتالي زيادة حجم النفايات البلاستيكية.
ولم يقتصر التغيير على المواطنين وحدهم الذين اضطروا لتغيير عاداتهم؛ حيث امتد الأمر لصانعي السياسات، الذين كان عليهم أيضًا أن يتفاعلوا بسرعة مع الجائحة وآثارها الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث استجابت المفوضية الأوروبية ووضعت خطة تعافٍ من أجل المساعدة في بناء الاتحاد الأوروبي خلال فترة ما بعد الجائحة ليكون أكثر اخضرارًا ورقمية وأكثر مرونة وملاءمة للتحديات الحالية والمقبلة.
ختامًا، كشفت جائحة "كوفيد-19" عن الضعف في الأنظمة الاقتصادية والمجتمع العالمي، وأكدت ضرورة أن يكون هناك استعداد لما هو قادم، فهي ليست مجرد دعوة للاستيقاظ، بل تجربة ومؤشر لعالم التحديات القادمة، ومن ثمَّ لا بد من النظر بجدية في مجموعة من التدابير على الصعيد العالمي، بما في ذلك معالجة التجارة غير المشروعة في الأحياء البرية، وإغلاق أسواق المواد الغذائية غير القانونية، وتشديد تنظيم إنتاج اللحوم الصناعية، وتغيير الممارسات الغذائية الاجتماعية والثقافية، فضلًا عن أنماط الاستهلاك غير المستدامة بما يضمن الحفاظ على البيئات الطبيعية.
المصدر: مقتطفات تنموية - السنة الثالثة - العدد (2).